من دفاتر «نزيب».. سيرة الجندي المصري الذي سحق تركيا (3)

الحرب المصرية التركية

الحرب المصرية التركية

كتب: خالد أبو هريرة

نصل أخيرا مع المؤرخ عزيز خانكي إلى تفاصيل معركة نزيب الفاصلة بين الجيشين المصري والعثماني، والتي ألف فيها خانكي كتاباً للاحتفال بمرور مائة عام على وقوعها في يونيو من العام 1839.

يقول عزيز خانكي في كتابه (الذكرى المئوية لواقعة نزيب) عن الظروف التي مهدت لمعركة نزيب: «كان السلطان العثماني محمود الثاني يراقب الحالة في سوريا وفي فلسطين من كثب، وعرف أن المصريين خسروا ثلاثة أخماس جنودهم في المعارك التي اشتبكوا فيها مع الثوار بالشام مدة السنوات الأربع أو الخمس، فظن أن الفرصة قد سنحت لتمزيق معاهدة كوتاهية واسترداد مصر وفلسطين وسوريا وأضنة، وسنحت بالأكثر لمحو عار حمص وبيلان وقونية، ولكسر شوكة محمد علي وخلعه والانتقام منه».

مقابل ذلك، ففي «أواخر مايو سنة 1838 أظهر محمد علي لقناصل الدول اعتزامه على إعلان استقلال مصر، وكان قد بلغ سن السبعين، وأراد توطيد دعائم الإمبراطورية المصرية ليتلقاها أولاده من بعده قوية منيعة الجانب». فلما علم السلطان بذلك «أمر في يناير سنة 1839 بسرعة تجييش الجيوش والاستعداد للقتال برًّا وبحرًا، وجعل الجيش تحت إمرة محمد حافظ باشا سر عسكر، والأسطول تحت إمرة فوزي باشا أمير البحر».

وكي يضمن محمود الثاني الانتصار على محمد علي باشا «اختار أربعة من الضباط الألمان المشهود لهم بالدربة والخبرة العسكرية، وعيَّنهم مستشارين لحافظ باشا، وهم فون مولباخ، والبارون فون مولتكه وكان حافظ يقسم الأيمان المغلظة للسلطان محمود بأنه لا يعود إلى إستانبول إلا بعد سحق المصريين سحقًا».

أما الجيش المصري «فكان تحت قيادة إبراهيم باشا يعاونه سليمان باشا الفرنساوي، وكان الأخير يقول لإبراهيم باشا: «يا مولاي، الواقعة المقبلة ستكون معركة فاصلة، إما أن نذهب نحن إلى إستانبول، وإما أن يذهبوا هم إلى القاهرة».

قبل الاشتباك الكبير في نزيب، استمرت المناوشات بين الجانبين المصري والعثماني بين نهاية مايو وبداية يونيو 1839. ثم «بدأ القتال فاستولى العثمانيون على عينتاب، استولوا عليها لا على أثر معركة انتصروا فيها بل على أثر إغراء وإغواء الحامية التي سلمت بلا نزال ولا قتال. فلم يرَ المصريون بدًّا من مقابلة العدوان بمثله، وتقدموا في يوم 20 يونيو، وطردوا العثمانيين من بلدة مزار بعد أن ضربوا القوة العثمانية بالمدافع المصرية ضربًا محكمًا ولَّى العثمانيون بعده الأدبار وغنم المصريون ذخائر ومؤنًا ومهمات كثيرة جدًّا، ووقعت خزانة القائد في أيديهم».

بدأ بعد ذلك رسم الخطة المصرية للانقضاض على العثمانيين. يقول عزيز خانكي: «رأى إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي أن العثمانيين قد حصَّنوا مواقعَهم تحصينًا محكمًا يدل على أن العقول التي تولت هذا التحصين ليست عقولًا عثمانية بل عقولًا ألمانية، فقرَّ رأيَهما على استدراج الترك إلى السهول».

يتابع: «وفي يوم 22 يونيو عبروا كوبري نهر مزار، ولما أتموا حركة الالتفاف أشار الضباط الألمان على العثمانيين بالتقهقر إلى بلدة «بير» تفاديًا من وقوعهم في الشَّرَك، إلا أنهم وجدوا معارضة من حافظ باشا الذي أجابهم: «ماذا يقول التاريخ عني إذا تقهقرت؟» وما درى أن التقهقر قد يكون من الخطط الحربية السليمة، وانحاز العلماء إلى رأيه. فاستشاط الضباط الألمان غضبًا وقدموا استقالتهم، إلا أن حافظ باشا رفض الاستقالة».

وفي غروب يوم 23 يونيو 1839 «دعا إبراهيم باشا ضباط الجيش المصري وقام في وسطهم خطيبًا ذاكرًا ما ناله الجيش المصري من الشهرة في أنحاء العالم بفتوحاته وغزواته وانتصاراته العديدة، ثم لفت أنظارهم إلى أن يوم الغد — ٢٤ يونيو سنة ١٨٣٩ — هو يوم فصل الخطاب، إما النصر والمجد والفخار أو الموت والعار والشنار. وبعدما بارح الضباط خيمة إبراهيم باشا دعاهم سليمان باشا الفرنساوي إلى خيمته، وبعد أن زودهم بالتعليمات الواجب مراعاتها قال لهم: «إلى اللقاء في الغد الساعة الثالثة بعد الظهر في خيمة حافظ باشا، أدعوكم من الآن لنتناول فيها القهوة معًا».

يقدم عزيز خانكي حصرا للقوات المصرية والعثمانية المشتركة في نزيب، فيقول: «الجيش العثماني كان مؤلَّفًا من ٣٨٠٠٠ مقاتل، منهم ٥٠٠٠ من الفرسان و٣٠٠٠ من رجال المدفعية مزودين بمائة وأربعين مدفعًا، والجيش المصري كان مؤلفًا من ٤٠٠٠٠ بما فيهم ٢٠٠٠ من عرب الهنادي، وكان مزودًا بمائة وعشرين مدفعًا. تكافؤ في القوة العَددية والعُددية، إِلا أن الجيش المصري كان يمتاز بالقوة المعنوية، وهي أقوى من القوى العَددية ومن القوى العُددية؛ لأن الجنود المصريين مارسوا مهنة الحرب والقتال في عكا وفي حمص وفي بيلان وفي قونية، وانتصاراتهم المتوالية دبَّت في نفوسهم الإيمان بالنصر، وكانوا فوق هذا وذاك متجانسين تجمعهم رابطة الوحدة المصرية. أما العثمانيون فكانوا أخلاطًا من الترك والكرد والأرمن واليهود والصرب والبلغار والأروام، وكان قوادهم متحاسدين متباغضين متخاذلين، كلٌّ يسعى إلى الإيقاع بالآخر، وليست لهم ثقة برئيسهم الأعلى حافظ باشا».

وفي صباح يوم ٢٤ يونيو «تحرك الجيش المصري، وامتطى إبراهيم باشا جواده المشهور «درزي». وفي أثناء سير القوات المصرية رأى سليمان باشا رابية أهمل حافظ باشا الاستيلاء عليها مع أهميتها الحربية، فأسرع وأمر بطارية من المدافع الضخمة بالاستيلاء عليها. أدرك حافظ باشا خطأه الجسيم في ترك سليمان باشا يحتل هذه الرابية المهمة، فأمر المدفعية التركية بأن تصوب قنابلها على البطارية المصرية التي نُصبت في هذه الرابية، وكان هذا إيذانًا ببدء القتال».

في المعركة «تقدم إبراهيم بقلب جريء نحو خطوط العثمانيين الأمامية، فقابلته بنار حامية شتتت آلايات من آلاياته، وكاد الفزع يستولى على جنود الجيش المصري لولا الشجاعة التي أبداها إبراهيم باشا، إذ أشهر سيفه البتار، وصال على الهاربين، وأعمل فيهم سيفه، كما صوب سليمان باشا الفرنساوي مَدافعه عليهم، فعادوا إلى خطوط القتال. وما هي إلا فترة قصيرة من الزمان إلا وَهبُّوا كلهم كالأسود على الجيش العثماني، وأعملوا فيه السيف والنار، وما زالوا به حتى ضعضعوا ست أورط من الكرد وقوة كبيرة من الباشبوزق كانت تحت إمرة محمود باشا، فولوا الأدبار، وسبقهم التركمان وفروا هاربين، كما سبقهم لواء خالد باشا الذي قُتل في أثناء المعركة، فولى جنودُه الأدبارَ».

يتابع خانكي: «وفي أقل من ساعتين انكسر الجيش العثماني وانتصر الجيش المصري، ووقع معسكر حافظ باشا كلُّه في أيدي إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي، وغنم المصريون كلَّ ما كان في المعسكر من خيام وأثاث ومهمات وأوراق ونقود، وأسروا ١٥٠٠٠ منهم سبعة باشوات أولهم سليمان باشا والي مرعش، وقُتل من جانب العثمانيين ٤٥٠٠ جندي وثلاثة باشوات وكثير من كبار الضباط. ويقول البارون مولتكه في الكتاب الذي وضعه «رسائل عن الشرق» إن الجيش العثماني خسر في تقهقره خمسة أسداس عدده كما خسر جميع مدفعيته.

بعث إبراهيم باشا نبأ انتصار قونية إلى جميع نوابه في الشام. وعزيز خانكي يورد نص ما كتبه إبراهيم إلى والي حلب، وفيه: «أُخبركم بأني هجمت على الجيش العثماني في «نزيب»، وفي أقل من ساعتين استوليت على مدفعيته وعلى ذخائره وعلى مُؤَنِه، وقد خضع الجيش كلُّه، وأنا سأتابع سيري ولا أقف إلا عند قونية، أما أنتم فأقيموا الأفراح، وبلغوا هذا النبأ السار إلى جميع الجهاد».

يتابع: «وفي مساء اليوم نفسه وردت خطابات ابنه إبراهيم باشا مفصلة الانتصار العظيم الذي أحرز الجيش المصري، فتلاها محمد علي على قناصل الدول الذين كانوا ماثلين أمامه، وقال لهم: ها هو الجيش الذي أعده السلطان لطردي من مصر».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع