«الليدي ستانهوب».. جاسوسة إنجليزية حاربت المصريين في الشام

الليدي ستانهوب

الليدي ستانهوب

كتب: خالد أبو هريرة

في ثلاثينات القرن التاسع عشر، وأثناء الانتصارات العسكرية الرائعة التي كان يحققها الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا فوق الجيوش العثمانية في بلاد الشام، كانت بريطانيا تراقب التوسع المصري بعين القلق، لشعورها بأنه مؤامرة تدبرها فرنسا في الباطن لتأسيس مملكة جديدة في الشرق الأوسط على حساب العثمانيين، تمكن الفرنسيين من القضاء على النفوذ الإنجليزي في الشرق، تمهيدا للانقضاض على المستعمرات البريطانية في الهند.

لذلك، سعى الإنجليز - قبل الأتراك أنفسهم - لطرد الجيش المصري من سوريا، وإنهاء الحكم المصري فيها. واستخدمت في ذلك مجموعة من العملاء والجواسيس، منهم ريتشارد وود الذي خطط في بيروت لثورة الدروز ضد المصريين، وكذلك الليدي هستر ستانهوب، الإنجليزية المقيمة في الشرق، والتي يدور عن حياتها التقرير التالي.

يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث): "كانت بريطانيا لا تقل عن الدولة العثمانية عداء لمحمد علي ومحاربة للحكم المصري في الشام. وكان اللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطانية يبغض محمد علي من صميم قلبه، إذ يعتبره الخطر الذي يهدد طريق الهند. وقد كتب عنه رسالة في 21 مارس 1832 قال فيها: (إن هدف محمد علي الحقيقي هو إقامة مملك عربية تضم جميع البلاد التي يتحدث أهلها اللغة العربية. وقد يكون هذا الأمر في ذاته لا ضرر منه، ولكنه يرمي إلى تقطيع أوصال تركيا وهو ما لا نرضى عنه أبدا. وفضلا عن ذلك، فإن أي ملك عربي مهما تبلغ قوته، لن يكون أقدر من تركيا على المحافظة على ما تحتله من طريق الهند)".

ويعلق الوردي على ذلك بقوله: "والواقع أن بريطانيا أرسلت عملاءها إلى بلاد الشام للعمل على تقويض الحكم المصري فيها، وكان أهمهم في ذلك رجل يدعى ريتشارد وود، والذي أرسلته السفارة البريطانية في إسطنبول إلى بيروت في العام 1835 لكي يفسد ما بين الدروز والمصريين".

أما الليدي ستانهوب فيقول عنها الوردي: "كان لليدي هستر ستانهوب دورا لا يستهان به في إثارة الشاميين على الحكم المصري. وسيرة هذه المرأة لا تخلو من طرافة وشذوذ، فهي من ذوات الحسب والنسب إذ كان خالها وليم بت السياسي البريطاني المعروف، وجدها اللورد جاثام، ولكنها سئمت الحياة في بريطانيا بعد موت خالها العام 1810، وقيل إنها أصيبت بخيبة أمل في الحب، فآثرت السفر إلى الشرق الأوسط. وجاء بصحبتها شاب غني كان عاشقا لها اسمه ميشيل بروس، فوصلت إلى إسطنبول ثم انتقلت منها إلى القاهرة واستقبلها محمد علي في ديوانه، ومن ثم ذهبت إلى بلاد الشام فزارت تدمر واستقبلها الأعراب هناك كأنها ملكة، وكانت هي تسرف في العطاء وفي إحاطة نفسها بمظاهر الأبهة والبذخ، كأنها تريد أن تعيد إلى الأذهان اسم زنوبيا ملكة تدمر".

يتابع: "وفي العام 1813 بعد أن تركها عاشقها بروس وعاد إلى بريطانيا، استقرت في لبنان حيث شيدت لنفسها قصرا يشبه القلعة فوق تل صغير على بعد ثمانية أميال من صيدا، واتخذت زي النساء المحلي فلبست عمامة ومداسا برأس منعكف، وصارت تدخن النارجيلة وتحمل السوط والخنجر، وشرعت تدرس اللغة العربية وأولعت بعلم النجوم وعلم الكيمياء القديم، وأحاطت نفسها بحراس من الألبان وحاشية من الزنوج وفرضت عليهم أن يسلكوا معها بحسب قواعد التشريفات الملكية".

استطاعت ستانهوب في مدة وجيزة "أن تكون ذات نفوذ وسلطة كبيرة جدا بين سكان المناطق المجاورة، ولا سيما الدروز منهم، فكان يحترمونها ويطيعون أمرها إلى درجة تبعث على الدهشة. وعندما فتح إبراهيم باشا بلاد الشام أدرك مالها من نفوذ وطلب منها أن تقف على الحياد ولكن الحياد لم يكن من شيمتها فصارت من أشد الناس طعنا في الحكم المصري".

يقول الوردي: "كان لـ ستانهوب جواسيس يعملون في المدن الشامية الكبيرة، وكانت مراسلاتها ومؤامراتها مع الشيوخ والباشوات متصلة، وكان لها يد في إثارة الدروز على الحكم المصري، ولم يسترح منها إبراهيم باشا إلا بعد أن ماتت في العام 1839، فدفنت في مكانها وكان عمرها لا يتجاوز الثالثة والستين، وقيل إنها كانت عند موتها وحيدة مفلسة".

ورغم أن علي الوردي لا يستطيع الجزم قطعا بالصلة بين ستانهوب وبين الاستخبارات البريطانية، فإنه من الصعب الظن بأن الليدي الإنجليزية كانت تنطلق في عدائها للمصريين من مواقف شخصية، خاصة إذا علمنا بإنفاقها ثروتها الطائلة لإثارة الفتن والدسائس والاضطرابات ضد حكومة محمد علي في الشام، كما يقرر المؤرخ عزيز خانكي في كتابه (الذكرى المئوية لواقعة نزيب). وعلى أية حال، فإن أمثال الليدي ستانهوب وريتشارد وود كانوا نماذج باكرة لجواسيس أوروبيين سوف يتم زراعتهم في الشرق الأوسط طوال العقود التالية، لتحقيق أهداف مختلفة لقوى الإمبريالية الغربية.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع