«مائة عام من العمل مع الدولة».. تاريخ المافيا التركية

اللاز

اللاز

كتب: خالد أبو هريرة

في ظل الهزة الحالية التي تعيشها حكومة العدالة والتنمية في تركيا، نتيجة مقاطع الفيديو المنتظمة لزعيم المافيا سادات بكر، والتي كشف خلالها عن علاقات واسعة بين نظام الرئيس رجب طيب أردوغان وعصابات الجريمة المنظمة في البلاد، يبدو من المهم البحث في تاريخ ارتباط المافيا بالدولة التركية منذ نشأة الجمهورية في عام 1923، وصولًا إلى العقود الثلاثة الأخيرة التي أصبحت فيها تلك العصابات جزءًا رئيسًا من تسيير العمليات السياسية، بل وحتى الاقتصادية في أنقرة. وهو الأمر الذي من شأنه أن يساعد في فهم أفضل للملاسنات الكلامية الدائرة الآن بين سادات بكر وأردوغان ورجاله.

في دراسته عن صعود عصابات الجريمة المنظمة في تركيا بين عامي 1923 و1950، أشار المؤرخ الأمريكي رايان جينجيراس، إلى العلاقة المباشرة بين نشوء المافيا التركية وجماعات المهاجرين التي هبطت إسطنبول بأعداد كثيفة منذ الربع الأخير في القرن التاسع عشر الميلادي. وعلى رأس تلك الجماعات، المهاجرين من إثنية اللاز، والتي أدار جينجيراس مقاله كاملًا حولها.

اللاز من الشعوب التي سكنت منطقة البحر الأسود بين تركيا وجورجيا. دخلوا بشكل شبه جماعي في الإسلام منذ خضوع سواحل البحر الأسود للعثمانيين منتصف القرن الخامس عشر الميلادي. وعلى العكس من بقية العناصر التي شكلت العالم العثماني إثنيًا، فإن اللاز ظلوا بعيدين عن الأضواء حتى أواخر القرن التاسع عشر، عندما أدت الحرب العثمانية الروسية (1877) إلى إجبارهم - مع مجموعات مسلمة أخرى من القوقاز والبلقان - إلى الهرب إلى تركيا، تحديدًا العاصمة العثمانية إسطنبول.

قامت الحكومة العثمانية بتوطين اللاز في منطقة إزميت من حواشي إسطنبول. ونتيجة خبراتهم السابقة في الأعمال البحرية، فقد تركزت نشاطات رجال اللاز حول ميناء إسطنبول، سواء بالعمل في قيادة المراكب، أو كعمال أرصفة. ولكن الضغوطات الاقتصادية التي كانت تعيشها الدولة العثمانية مع انطلاقة القرن العشرين، التي أجبرت العديد من سكان إسطنبول على البقاء عاطلين دون عمل، دفعت اللاز دفعًا إلى عالم الجريمة. وسرعان ما تكونت منهم عصابات مسلحة تمتهن قطع الطريق والخطف أو تجارة السلاح.

في تلك الفترة، تحديدًا في عام 1905، كانت جمعية الاتحاد والترقي الثورية، والتي استهدفت الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني من العرش، قد شرعت في تجنيد العصابات على نطاق واسع، في إطار صراعها مع السلطان. حتى أنه بعد نجاح انقلاب عام 1908، ودخول الاتحاديين إسطنبول، مجبرين عبد الحميد على إعادة العمل بدستور 1876، كانت عبارات الثناء تهبط دون توقف فوق قادة العصابات في إقليم مقدونيا، وتؤكد أن الانقلاب ما كان ليتم لولا مساعدتهم ضد القوات النظامية الموالية للسلطان.

وبعد خلع عبد الحميد الثاني نهائيًا عن عرشه في عام 1909، واحتكار الاتحاد والترقي للسلطة في تركيا، تحولت فكرة الاعتماد على عصابات الجريمة المنظمة في العقيدة السياسية للاتحاديين إلى استراتيجية ثابتة، وأصبحت تلك العصابات المسلمة في البداية مكلفة بكبح جماح الطموحات الانفصالية للمجموعات المسيحية العثمانية في الأناضول، خصوصًا الأرمن والآشوريين (السريان). ثم مع انطلاق الحرب العظمى عام 1914، وانخراط تركيا فيها إلى جانب ألمانيا، تحولت العصابات إلى رأس حربة في الصدام ضد المجموعات المسيحية، التي انقلبت أثناء الحرب إلى السعي الحثيث للانفصال عن الدولة العثمانية.

كانت التشكيلات المخصوصة، وهي أول جهاز استخبارات تركي على النمط الحديث، هي المظلة التي عملت من خلالها عصابات الجريمة المنظمة لتنفيذ سياسات الاتحاد والترقي في مناطق الأناضول. وسريعًا، بات من الظاهر أن اللاز هم العنصر الأكثر وجودًا من بين العصابات المنخرطة في التشكيلات المخصوصة. وهو ما فسر بالواقع الاقتصادي المرير الذي عاشه هؤلاء في فترة الحرب العظمى، والذي قادهم مثل أسلافهم للنشاطات الإجرامية.

نشط اللاز كعناصر فدائية جندتها التشكيلات المخصوصة لتصفية خصومها السياسيين في إسطنبول، أو كميليشيات مسلحة مهمتها اقتحام القرى المسيحية وإخلائها من ساكنيها، سواء الأرمن أو الآشوريين. تزامنت تلك العمليات الأخيرة نفسها مع الإبادة الكبرى التي قادها الجيش العثماني ضد العرقية الأرمنية منذ العام 1915، والتي راح ضحيتها وفقا لأقصى التقديرات مليون ونصف المليون أرمني.

وعلى الرغم من هزيمة الاتحاديين في الحرب العظمى، فإن المخاوف من أن تستثمر العناصر المسيحية خسارة تركيا وتنقض على الأناضول مجزأة إياه على أسس قومية (يونانية - أرمنية - آشورية)، دفعت قادة التشكيلات المخصوصة إلى الاستمرار في الاعتماد على عصابات الجريمة المنظمة، معيدة تنظيمها تحت اسم (القوة الوطنية). وكلفت تلك الميليشيات بالتربص بالجماعات الأرمنية التي حاولت العودة إلى الأناضول بعد الحرب، إضافة إلى اليونان البونتيك في مناطق البحر الأسود.

كانت واحدة من أبرز العصابات في «القوة الوطنية» عصابة يتيم أوغلو، التي قادها زعيم يدعى آق يولو إبراهيم آغا. نشطت يتيم أوغلو في منطقة بحر مرمرة متخذة من جزيرة يالوفا (على بعد نصف يوم من إسطنبول) مقرًا رئيسيًا لها. وساهمت بكثافة في الهجمات المسلحة على القرى المسيحية في مناطق كرم أورسيل ويالوفا وديغير مندري، وإزميت.

في تلك الفترة التي لونتها مشاعر الفوضى وحقيقة الانهيار السياسي، عاشت العصابات التركية أفضل فتراتها على الإطلاق، بعد أن صارت مطلقة اليد للقيام بكل أصناف الجرائم، من قتل أو خطف أو قطع للطريق أو ابتزاز. وقد اتضح للقوميين الأتراك بقيادة مصطفى كمال، وكانوا قد أصبحوا ورثة الاتحاديين، وقادة المستقبل في تركيا منذ عام 1919، أن قادة العصابات لا تعمل حقًا للصالح الوطني بقدر ما تعمل لصالحها الخاص، بعد أن سارع هؤلاء إلى التعاون مع القوات البريطانية واليونانية أثناء غزوها للأناضول. وبالتالي فعندما انتهت حرب الاستقلال التركية اليونانية بانتصار القوميين الأتراك، كانت إحدى النتائج المباشرة للحرب إضعاف سلطة عصابات الجريمة المنظمة في تركيا، على رأسها عصابة يتيم أوغلو بالطبع. وأثناء عمليات التطهير التي قام بها مصطفى كمال ضد القيادات السابقة في جمعية «الاتحاد والترقي»، تم ضم زعماء العصابات في منطقة بحر مرمرة إلى قائمة الملاحقات الأمنية، التي انتهت بالاعتقال والنفي أو حتى الإعدام. ولكن تلك الأحداث التي وقعت حول فترة تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923، لم تكن نهاية عصابات الجريمة المنظمة في البلاد، أو نهاية لعلاقتها بالقيادة السياسية لتركيا، بل على العكس، أعيد إنتاج تلك العلاقة ولكن وفقًا لشروط جديدة، خضعت للظروف السياسية المحدثة في ذلك الوقت.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع