لماذا انحط العثمانيون؟ (1): علماء جهلة وقضاة مرتشون

علماء عثمانيون

علماء عثمانيون

كتب: خالد أبو هريرة

لماذا انهارت الدولة العثمانية عقب ستمائة عاماً كاملة من الحياة؟.. سؤال واسع سعة الإمبراطورية التركية، التي مدت أذرعها فوق كتلة ترابية ممتدة بين قارات العالم القديم الثلاث.. سؤال يحاول (تركيا الآن) الإجابة عليه طوال الحلقات التالية، مسترشدا بتلك الأفكار التي دونها حول انحطاط العثمانيين، المفكر السوري الكبير محمد كرد علي، وأودعها كتابه (الإسلام والحضارة العربية).

في البداية، يرى محمد كرد علي أن تغير العلاقة بين السلاطين من آل عثمان وطبقة علماء الدين في إسطنبول، كانت أول معول ضرب لهدم البناء المتين للدولة العثمانية، بعد أن تحول أولئك النفر من العلماء، من مراقبين لتطبيق الشريعة الإسلامية، إلى مجرد موظفين في البلاط العثماني، يمنحون قرارات السلطان الشرعية اللازمة، مهما تنافت تلك القرارات وأحكام الشرع.

يقول كرد علي: «إنَّ العلماء كانوا في عهد الفتوح والعظمة يسيطرون على ملوك العثمانيين، وكان منهم في العهد الماضي رجال أعلام سلمت نفوسهم من المفاسد ينكرون المنكر، ويدعون إلى المعروف، ومَن يردُّ جماح المَلك المستبد إذا لم تكن أمامه قوة يخافها ما دام أعظم عظيم في الدولة عبده وابن عبده، وله الحق كل ساعة أن يصدر إشارته بقطع عنقه أو حمله إليه في قصره يعذبه».

يتابع «كان سليم الأول الجبار يحاذر أن يقع في غضب مفتيه (زنبيللي علي)، وسليم هذا طالما قتل وزراءه من دون سبب، وكان الأمر بالقتل إلى شفتيه أقرب من الشمال إلى اليمين، ولما أحدث ابنه سليمان الألقاب والرتب العلمية، وأمال على العلماء الدنيا، على ما لم يكن لهم به عهد، أمسوا يتنافسون في الإملاء للظالمين من السلاطين، ويقلبون سيئات الملوك حسنات، لا يأخذون على أيديهم فيما يرتكبون من الكبائر، ولا يردونهم إلى صراط الحق في مسائل الدولة. قال ضيا (المؤرخ العثماني): وسهل على سليمان ومن بعده من السلاطين بهذا العطف الظاهر على العلماء، أن يستصدروا فتاوى بقتل الأبرياء ممن تغضب عليهم الدولة. ويقول أبو الفاروق: إنَّ هؤلاء العلماء، وسماهم (بالمزايدين) على الأحكام الشرعية، أصبحوا يفسرون الأحكام للمتغلبين على السلطان على ما يشاءون وتشاء أهواؤهم، وسماهم الجرارين أيضًا؛ أي طلاب الصدقات، فقال: إنهم كانوا من جملة الأسباب إلى تداعي أركان السلطنة، وهم كتائب من المداح جاء كثيرٌ منهم من فارس يستوكفون الأكف فاستأثروا بالزوايا، وانهالت عليهم عطايا السلاطين، وأعان على هذا الانحطاط أناس من الروم، زعموا أنهم انتحلوا الإسلام، مثل ميخال وأوره نوس من أمراء الروم، وغدوا بمالهم من المكانة في المقامات العالية يؤثرون فيها بأفكارهم ومنازعهم».

أعان العلماء سلاطين آل عثمان على الاستبداد بالحكم. وبعد أن «كانت المناصب الدينية توجه في بدء أمر العثمانيين للكفاة من الرجال في الجملة، وذلك بالامتحان أو بالقدم، غدت تُسند بالشفاعات وبالرشاوى إلى الجهلة، ويُصرف رجال القضاء من الخدمة بدون سبب. وبانحطاط القضاء انحطت الدولة، وغدت المناصب الشرعية تُباع وتُشرى وتُورَّث وتُوهب، فتولى الحكم بشريعة الرسول الأميون والجهلة والسفلة من طبقات المجتمع».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع