لماذا انحط العثمانيون؟ (2): جهل عام وفقر حضاري

العثمانيون

العثمانيون

كتب: خالد أبو هريرة

كان إهمال التعليم ثاني العوامل الكبرى التي وقفت وراء إنهيار الدولة العثمانية، كما يرى المفكر السوري الكبير محمد كرد علي في كتابه (الإسلام والحضارة العربية).. يقول: «بهر الدولة اتساع ما انضوى إلى علمها من الأقطار والأمصار، فما فكرت في توحيد البلاد، ولا تعرفت إلى حقيقة ما ينهضها، ولا ربت رعاياها تربيةً مشتركة، ولا سارت في تعليمهم على سياسة معينة، تضمن لها ولهم المستقبل، وكان همها مصروفًا إلى الساعة التي هي فيها، وتكتفي من الناس أن يظهروا الطاعة والمشايعة، ويؤدوا الضرائب والمغارم، وكان أعدى عدوها من ينشر في قومه فكرًا جديدًا، ولو كان ظاهره وباطنه الخير لها ولبلادها؛ ذلك لأنها كانت ترى العلم أداة ضارة بكيانها، وتذهب إلى أنَّ سلطانها يزول يوم يتعلم رعاياها».

مقابل ذلك، تمتعت الأقليات المسيحية في الشرق بمزايا التعليم الأجنبي الذي قدمته الإرساليات التبشيرية، ما منحها أفضلية معرفية على الأغلبية المسلمة. يقول كرد علي: «وما كان النصارى بما مُتعوا به من امتيازات منذ عهد الفتح، وبما كان لهم من حماية الدول النصرانية في القرون الأخيرة، يعدمون مبشرين ومعلمين يفتحون لهم في القاصية والدانية مدارس وكتاتيب، حتى ارتقى بطول الزمن مستواهم العقلي، ولقنوا معنى الحياة الحرة، واستعدوا للجلاد في ميادينها، فكان من ذلك ضرر غير قليل على مجموع الدولة، والسواد الأعظم من أهلها، وبينما كانت الجندية في العصر الأخير إجبارية على المسلمين دون غيرهم، كان المسلمون ينقرضون في حروبها المتوالية، والنصارى يرتعون في دعة ينمون ويسعدون، ولا يطلب منهم غير جزية ضئيلة».

إضافة إلى مسألة التعليم، كان فقر العثمانيين الحضاري سببا آخر أدى إلى انحطاطهم مقابل الغرب الأوروبي. يقول المفكر السوري: «تغافلت الدولة عن تقليد الغرب في مادياته، فقلما أهمتها مشاركته في نهضته الرائعة، وكان غنيها يُصادر، وعالمها يُضطهد، وماهنها يُمتهن، فقُضي على حركة العقول والأيدي، وأنى تقوم لدولةٍ قائمة إذا كانت بلادها فقيرة وشعوبها جاهلة؟ ولقد كانت الدولة تحس ضعفها عقبى هزائمها، وسرعان ما كانت تنسى أسباب محنتها، وكانت إلى أخريات أيامها تحول دون تعلم العرب المسلمين، وهم النصف الذي لا يُستهان به في السلطنة، ومن الإنصاف أن يُقال: إنها لم تعلم الأتراك أيضًا، اكتفت بتلقينهم قشورًا من العلم يُراد منها صوغ عمال وأرباب ولايات، فأصبحت الطبقة المتعلمة مستهلكة غير مستحصلة، وما كان لفقيرٍ مقيد أن يرتقي نشاطه إلى أكثر من تحصيل قوت يومه».

شجع هذا الجهل العام في البلاد العثمانية على التسابق في توافه الأمور، إذ أصبح الناس يعتقدون أنه «لا شرف إلا مما أتى في قبل السلطان، وأنَّ من لم يشرفه برتبة أو مرتبة أو وسام فلا شأن له في المجتمع العثماني، وفسدت الأخلاق في سبيل الحصول على هذه المظاهر الخلابة، وقصارى الدولة أن ترى رعاياها يطلقون الجد، وبعطفها على الدجالين من مشايخ الطرق زاد المسلمون زهدًا في العمل والخنوع لأصحاب السلطان، فعلموهم أنَّ ما هم فيه هو السعادة في الدارين، وأنَّ علم أوروبا كفر وهراء وسخرية. جهل المسلمون حتى أمسوا لا يتوقعون الخير إلا من الحكومة، وكان معظم عمالها، وهم أرقى طبقة متعلمة في الأمة، على جانبٍ عظيم من الفساد، يتطلعون أبدًا إلى ما بأيدي الناس من دون خشية ولا رحمة».

وقد عقد كرد علي في خاتمة كلامه مقارنة بين أثر المدنية العربية قديما والحكم العثماني حديثا، في الأقاليم التي غلبها العرب والأتراك وأخضعوها لسطوتهم، وانتهى إلى أن العرب حتى بعد رحيلهم عن بلاد مثل إسبانيا وصقلية، إنما تركوا آثاراً حضارية عظيمة لا تمحى، مقابل التأثير القليل للأتراك، والذي كان حكمهم عسكرياً بحتاً.

يقول كرد علي: «انتظم عَلَم الترك العثمانيين البلاد التي احتلوها في الجنوب الشرقي في أوروبا نحو خمسمائة سنة فأثروا فيها تأثيرًا قليلًا، وقاوموا جيوشًا غربية ما كان لها من النظام ما كان لهم لأول أمرهم، وما حملوا إلى أهل الأرض التي دخلوها حضارة أنيقة طريفة، فكان سلطانهم قائمًا على الغلب لا على العلم والصناعات، واستصفى العرب جزيرة الأندلس وصقلية وما إليهما في الجنوب الغربي من أوروبا، وعلى ما فرقهم في أكثر الأدوار من الخلاف الداخلي، وما عانوه من حرب أعدائهم في الشمال يعاونهم على الأكثر جيوش الإفرنج وغيرهم، فإنهم أثروا في تلك البلاد أثرًا عظيمًا بعلمهم وصناعاتهم وأخلاقهم وعاداتهم، أثروا في الإسبانيين والبرتقاليين والكتلانيين والفرنسيين والنورميين والإيطاليين في لغتهم وآدابهم وصنائعهم، ومضى أربعمائة سنة على خروجهم من الأندلس، وأثرهم ماثل للعيان في الأوضاع والمصانع، على شدة الكراهة التي بدت ممن احتلوا أرضهم، وعلى محاربتهم بعد كل ما يدل على آثار أعدائهم في تلك الديار».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع