لماذا انحط العثمانيون؟ (3): سلطنة حريم ومذابح للإخوة

الحرملك

الحرملك

كتب: خالد أبو هريرة

يتابع المفكر السوري محمد كرد علي في كتابه (الإسلام والحضارة العربية)، ملاحقة العوامل التاريخية التي أدت إلى سقوط الدولة العثمانية، وينقض بكلامه الآن على طبيعة صراعات العرش، وصعود نفوذ الحرملك، والدور الحاسم الذي لعبته تلك الأمور في إضعاف سلالة آل عثمان، ومعها إضعاف الإمبراطورية التركية كلها.

يقول كرد علي: «كان إضعاف قوة العناصر من أعظم العوامل في تهيئة الأسباب لكل خلل في الدولة والأمة، وإذا أضفنا إلى ذلك تدخل النساء في أمور السلطنة في القصر السلطاني، ومن يتبعهن من طبقات الحاشية والغاشية ندرك سرًّا من أسرار هذا الضعف؛ فقد أفاض التاريخ أن خُرَّم (روكسلان) البولونية زوج سليمان القانوني لعبت بأقدار المملكة زمنًا، تعلن الحرب وتعقد الصلح، وسعت بقتل ابن ضرتها ليكون عرش السلطنة لابنها، وعصا شقيقه فهرب إلى فارس فدفع السلطان لشاه العجم أربعمائة ألف دينار؛ ليعيد إليه ابنه، فما إن حُمل إليه حتى قتله وخمسة من أولاده، وكانت هذه السلطانة السبب في إهلاك إبراهيم وأحمد من الصدور العظام أيضًا، ومثلها «كوسم والدة» التي لعبت بأقدار المملكة نحو خمسين سنة، وما انتهت من تدخلها إلا بقتلها، فالنسوان والغلمان كان لهم مدخل عظيم في تقويض بنيان السلطنة».

يتابع، منتقلا إلى قانون البغي العثماني الذي أباح قتل الأمراء العثمانيين من الذين يشتبه في تطلعهم إلى السلطة: «وهل أعظم من أن يقتل الجواري من أولاد السلاطين من يردن قتله؟. وقد يكون في القتلى من أبناء الملوك الدراكة الحصيف، على حين لا يكون من يبقون على حياتهم غير أشباه الرجال، والسلاطين منذ عهد الفاتح، وقبل بايزيد، رخص لهم بقانون وضعوه لولاية العهد أن يكون لأولاد الفاتح وأحفاده ممن يجلسون على العرش العثماني، الحق أن يقتلوا إخوتهم حبًّا بإقرار الراحة في الناس».

وينقل المفكر السوري عن مؤرخ عثماني يدعى أبو الفاروق فقرة مهمة عن الأثر الخطير لقانون البغي في إضعاف آل عثمان وضعضعة دولتهم: «بدأت سيئة قتل الإخوة من عهد بايزيد الأول وسود الفاتح صحيفته بمثل هذا المنكر، فنشأت من ذلك سلسلة من الفجائع، ورأى الزمان لهذا النوع من القتل مبررًا، فوضع في قالب الحرص على سلامة الأمن العام، وما رأوا غير هذا التدبير للقضاء على النزاع إلى السلطنة، وجرت مثل تلك الفظائع في فارس والحكومات الأوربية، غدت هذه السُّنة السيئة معمولًا بها، وقلما خلا ملك من ارتكاب هذا القتل الفظيع، ومنهم من اتُّهم بقتل أبيه، وأصبح قتل السلطان إخوته وأولاده وأحفاده وبناته والحاملات من نساء السلاطين مما لا يُستنكر، وظلت هذه العادة القبيحة من قتل أولاد السلاطين جاريًا حكمها إلى عهد محمد الرابع (١٠٩٩ﻫ)، وكان حاول قتل شقيقه فمنعته والدته، وحال المفتي الأعظم بينه وبين القتل، أورد له كلام الله وخوَّفه من عذابه. وبذلك انقضى دور قتل أبناء الملوك الذي دام أكثر من ثلاثمائة سنة، وأخذ كل سلطان بعد ذلك يراقب أولياء العهد مراقبةً شديدة، ويقيمهم بمعزلٍ عن الناس لا يختلطون بهم، وكان يتولى العرش السلطاني أكبر أولاد السلاطين إلى عهد أحمد الأول، فجاد هذا عن القانون بنصب أخيه مصطفى، وأصبح من القواعد المعمول بها إلى آخر أيام العثمانيين أن يتولى العرش أكبر الأسرة المالكة سنًّا أو أقربهم من الجد الأول، وكان العثمانيون قبل اتساع سلطانهم يولون الأرشد من أبنائهم، وإن كان أصغرهم سنًّا، ويرجحون من كانت أمه من أسرة نبيلة لا من السراري والجواري والإماء».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع