العثمانيون في «هذه تونس» (1) قرصنة وامتيازات مهدت للاستعمار الأجنبي

تونس

تونس

كتب: خالد أبو هريرة

في منتصف القرن العشرين، نشر المفكر والمناضل السياسي التونسي، الدكتور الحبيب ثامر، كتيبًا تحت عنوان «هذه تونس»، تعرض فيه لتاريخ البلد العربي منذ أقدم العصور، وحتى فرض الحماية الفرنسية في عام 1881، وما تلا ذلك من نشوء حركة وطنية تونسية استهدفت الفكاك من قبضة الاستعمار الفرنسي، بالمقاومة والكلمات.

في نص «هذه تونس» الصغير، كان لا بد أن تظهر الدولة العثمانية، بما أنها كانت آخر حاكم للبلاد قبل وقوعها في قبضة الفرنسيين. وبما أن سياساتها تجاه تونس - مثلما كان الأمر مع بقية البلدان التي كانت يوماً ما عثمانية - كانت هي التي وطأت الأرض للمحتل الأجنبي، ودشنت عصر الكولونيالية الأوروبية الطويل.

في هذا التقرير، نتابع ظهور العثمانيين لدى الحبيب ثامر..

يقول ثامر بداية: «امتاز الحكم التركي في تونس، شأنه في ذلك كشأنه في كل الممالك التي كانت تسيطر عليها الدولة العثمانية بأنه كان يقوم على القوة وعلى الجيش. وكان هم الدولة العثمانية الاستيلاء على أزمة الحكم في ممتلكاتها مستندة في ذلك على الجيش. ولم يكن لها اتجاه معين في سياستها، ولا مبادئ تسير عليها في تنفيذ هذه السياسة، وبقدر ما يستطيع الجيش أن يحافظ على الأمن تزدهر الحياة الاقتصادية وتنمو التجارة والصناعة والفلاحة والعلوم والفنون».

يتابع: «وكان في البلاد قوتان عظيمتان: هما الجيش من جهة، ويعتمد عليه الوالي في حفظ الأمن وجباية الأموال، وطائفة الرياس من جهة أخرى، وهم الذين يتولون عمليات القرصنة، وهي نوع من العمليات الحربية التي كان يقوم بها الجانبان المتحاربان من الدول الأوروبية والشرقية».

كانت هجرات الأندلسيين الذين طردتهم المملكة الكاثوليكية المتعصبة في إسبانيا، هي السبب في حالة الازدهار الحضارية التي ظهرت على تونس، أوائل الحكم العثماني. يقول الحبيب ثامر: «رأت تونس تحت الحكم التركي عهوداً زاهرة بالرغم مما انتاب البلاد من اضطرابات بفضل ما بذله بعض الأمراء الصالحين من مجهودات جبارة للنهوض بالبلاد في سائر نواحي حياتها. وفي أوائل هذا العهد كان نزوح عدد كبير من العرب الذين طردوا من الأندلس سنة 1609 من العوامل التي نشطت التجارة والفلاحة والصناعة.. وقد استوطن عرب الأندلس في سهول بنزرت ومجردة والدخلة، وشيدوا فيها القرى الفلاحية كطبرية ومجاز الباب وتستور والعالية وقلعة الأندلس وقرنبالية وزغوان وسليمان والجديدة، وأنشأوا المزارع والبساتين، حتى عادت إلى البلاد رفاهيتها القديمة».

كذلك لعبت القرصنة دورا في ثراء تونس العثمانية. يقول ثامر: «كانت الغنائم التي يربحها القرصان في البحر الأبيض المتوسط من عوامل إثراء السكان، وقد قوت القرصنة حركة البلاد التجارية وجعلت أسواق المدن مزدهرة. على أن أعمال القرصنة لم تكن حائلا دون ربط الصلات بين تونس وأوروبا، واستئناف علاقاتها التجارية مع الدول كـ إسبانيا والدنمارك والولايات المتحدة، فبمجرد ما انتظمت أحوال الدولة، نشطت تجارتها مع مرسيليا وليفورنو وبقية المدن الأوروبية، وقد تكونت علاقات رسمية بين تونس وفرنسا سنة 1577، وأرسل ملك فرنسا هنري الثالث قنصلا إلى تونس بعد الحصول على موافقة الدولة العثمانية التي أعطت لفرنسا امتيازات كبيرة في سائر ممتلكاتها».

ومع دخول القرن التاسع عشر، وازدياد ضعف المركزية العثمانية «ابتدأت تونس تسير شيئا فشيئا نحو شكلها الحاضر وبخاصة منذ تولي الحسن بن علي الحكم وجعله وراثيا في بيته. وكانت الروابط التي تربط الأمراء الحسنيين بالدولة العثمانية تتلاشى على مر الأيام. وضعف سلطان تركيا في تونس حتى كاد يكون عديم الوجود. وهكذا ابتدأت تنمو في تونس قومية تونسية بالمعنى الحديث، وظهرت للوجود دولة تونسية اعترفت الدول الأوروبية بكيانها وعقدت معها المعاهدات».

وقد رأى الحبيب ثامر أن مقدار تأثير الأتراك في تونس لم يكن كبيرا، بل على العكس، كانوا هم من ذاب في مجتمع العرب التوانسة. يقول: «الحقيقة أن العنصر التركي الذي نزل بأرض تونس وأقام الحكم فيها قروناً عديدة لم يدخل تغييرا جوهريا في أحوال البلاد، ولم يعتبر أهل تونس الغزاة الأتراك أجانب عنهم إذ كانوا يحكمون البلاد نيابة عن السلطان خليفة المسلمين جميعا. على أن العنصر التركي لم يحتفظ بشخصيته، بل اندمج بمرور الزمن مع العنصر العربي».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع