العثمانيون في «هذه تونس» (3): الاحتلال الفرنسي بعِلم تركيا

الفرنسيون في القيروان

الفرنسيون في القيروان

كتب: خالد أبو هريرة

كانت تونس في العام 1881 - أي حين فرضت عليها الحماية الفرنسية - ضحية واقع دولي معقد، حكمته نتائج النزاعات العسكرية بين العثمانيين والقوى الأوروبية من جهة، وبين الأوروبيين أنفسهم وبعضهم البعض من جهة أخرى، إذ وجدت البلاد التونسية نفسها - ورغما عنها - طرفاً في صفقة واسعة، تصبح هي فيه فريسة للاحتلال الفرنسي، تحقيقاً لموائمة سياسية بين كل تلك الأطراف المتصارعة.
يقول المناضل التونسي، الدكتور الحبيب ثامر في كتابه (هذه تونس): «كانت الظروف الدولية التي سبقت فرض الحماية الفرنسية على تونس، لها الأثر في إطلاق يد فرنسا في البلاد، فقد كان الجو السياسي العام في أوروبا وقتذاك متأثرا بحادثين عظيمين هما: هزيمة فرنسا في حربها مع ألمانيا عام 1870، وهزيمة تركيا العثمانية في حربها مع روسيا عام 1877».

فرضت تلك الحروب واقعاً سياسياً جديداً. فقد خسر الفرنسيون الألزاس واللورين لصالح الألمان، بينما وقع العثمانيون مع روسيا القيصرية معاهدة سان ستيفانو، والتي فقد الأتراك بمقتضاها سائر أملاكهم في أوروبا، مانحين الروس مزايا هائلة تمكنهم مستقبلا من احتلال الدولة العثمانية نفسها.

كانت هذه الوضعية الجديدة تبشر بحرب عالمية واسعة النطاق. ومنعاً للوصول إلى تلك النقطة، أجبرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا الروس على العودة للتفاوض مع العثمانيين بشروط جديدة، تقلل من مكاسب روسيا. وبالفعل وقعت معاهدة برلين في 13 يوليو 1878، والتي أعادت إلى الأتراك سلطتهم مرة أخرى فوق الولايات التي خسروها في البلقان.

ونتيجة رغبة بريطانيا وفرنسا في الحصول على مقابل للخدمة التي قدموها للعثمانيين، إضافة إلى سعي ألمانيا إلى تهدئة الأجواء مع فرنسا، فإن مؤتمر برلين، شهد على هوامشه اتفاقاً على تمكين الفرنسيين والإنجليز من احتلال قبرص ومصر وتونس، وكانت كلها جزءاً من الإمبراطورية العثمانية.

يقول الحبيب ثامر: «بعد أن ألحقت ألمانيا مقاطعتي الألزاس واللورين بها، صرفت عنايتها للاحتفاظ بهما وإبعاد فرنسا عن فكرة الأخذ بالثأر ومحاولة استرجاع هاتين المنطقتين، ورأت أن تفسح لها المجال في بسط نفوذها خارج أوروبا، وكان بسمارك يسعى بشكل عام للاحتفاظ بالوضعية التي نتجت في أوروبا عن حرب 1870، ويعمل على توجيه الدول الأوروبية نحو الشرق، فكان لا يمانع في امتداد نفوذ فرنسا في تونس، وإنجلترا في مصر. وكانت إنجلترا لا تعارض في تقطيع أوصال الدولة العثمانية في أوروبا وفي غيرها. أما أما فرنسا فإنها كانت تحاول الابتعاد عن الميدان الدولي خشية التورط في مشاكل خارجية لا تستطيع أن تواجهها، وقد خرجت من الحرب مهيضة الجناح عام 1870».
يتابع: «ظهرت هذه الاتجاهات جميعا أثناء مؤتمر برلين عام 1878، فأوعزت ألمانيا لفرنسا بوضع يدها على تونس حتى لا تضع العراقيل في وجهها في المؤتمر، كما نصحتها ببسط نفوذها على تونس لتتمكن هي بدورها من الاستيلاء على مصر».

بعد مؤتمر برلين بنحو ثلاث سنوات، بدأت بريطانيا وفرنسا في الحصول على ما وعدوا به في الشرق العثماني. ففرضت بريطانيا حمايتها على قبرص، بينما توجه الفرنسيون ناحية تونس. وفي 28 أبريل 1881، تذرعت الحكومة الفرنسية بهجوم القبائل العربية في تونس على مستعمراتها في الجزائر وأرسلت 28,000 رجل تحت قيادة الجنرال دي بوسكينار إلى الأراضي التونسية بغرض تأديب تلك القبائل. وفي 1 مايو، فرض قائد فرنسي آخر يدعى جول إيمي بريار حصاراً على مدينة بنزرت بقوة قوامها 8.000 رجل. ثم تمكن من دخول العاصمة تونس في يوم 6 مايو، وكان في جعبته معاهدة باردو المتضمنة إعلان الحماية على تونس.

وفي 11 مايو، قدَّم الجنرال بريار والقنصل العام تيودور روستان والجنرال پيير ليون مورو، مصحوبين بجوقة مسلحة، إلى حاكم تونس محمد صادق باي بنود معاهدة باردو. وأمام الاحتلال الفرنسي الصاعق، طلب صادق باي بضعة ساعات للتدبر، وعقد على الفور اجتماعاً لمجلس وزرائه. وقد أصر بعض وزرائه على أن يهرب الباي إلى القيروان لينظم المقاومة، إلا أن صادق باي قرر أن يقبل الخضوع للحماية الفرنسية، موقعا على معاهدة باردو، تحت تهديد القوات الفرنسية في 12 مايو 1881.

ولما اندلعت ثورة تونسية في 10 يونيو 1881، ردت فرنسا بإرسال ست سفن مدرعة قصفت صفاقس. وفي 16 يوليو تم الاستيلاء على المدينة بعد قتال مرير، ثم استولى الفرنسيون على القيروان دون قتال في 28 أكتوبر 1881. وبحلول العام التالي 1882، أصبحت تونس مستعمرة فرنسية بالكامل.

أما الدولة العثمانية، فقد اكتفت بالاحتجاج الرسمي على الاحتلال الفرنسي لتونس، وأخذت ترسل التلغرافات إلى سفاراتها في العواصم الأوروبية إظهاراً لذلك الاحتجاج، رغماً عن علمها في الباطن، بأنه احتجاج من ورق لن يغير شيئاً من الواقع الذي فرض على تونس بقوة السلاح، ودبر قبل سنوات قليلة في برلين.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع