شهادة نعوم شقير: عن «أزمة طابا» وانتصار المصريين على تركيا في سيناء (1)

خريطة عثمانية لشبه جزيرة سيناء

خريطة عثمانية لشبه جزيرة سيناء

كتب: خالد أبو هريرة

في عام 1906، كان المؤرخ اللبناني نعوم شقير، يعمل في قلم المخابرات بالجيش المصري الذي كان تحت إدارة الاحتلال البريطاني. ولما اشتعل الخلاف الحدودي بين مصر والدولة العثمانية على ملكية طابا في أقصى الشرق من شبه جزيرة سيناء، عين شقير ممثلا للحكومة المصرية في المفاوضات التي ضمت ممثلون عن حكومة تركيا وحكومة بريطانيا العظمى. وهو ما جعله مطلعاً أصلياً على أدق تفاصيل ذلك الصراع بالغ الأهمية، والذي أدى انتصار الطرف المصري فيه إلى تعيين حدود مصر الشرقية إلى ما هي عليه حتى اللحظة، بل وأعانت الخرائط المنبثقة عنه إلى إثبات حق مصر التاريخي في طابا، أثناء النزاع القضائي عليها ضد إسرائيل في مطلع ثمانينيات القرن العشرين.

الحلقات التالية تقدم شهادة نعوم شقير حول صراعات طابا بين مصر وتركيا، والتي أودعها كتابه «تاريخ سينا والعرب».

يقول شقير أولاً عن خلفيات الصراع المصري التركي على سيناء: «المشهور أن الفرمان الذي أصدره السلطان محمود الثاني لمحمد علي باشا سنة 1841 يثبِّته فيه على مصر ويجعل الحكم وراثيًّا في أسرته كان معه خريطة عُيِّن فيها حد مصر الشرقي بخط يمتد من العريش إلى السويس، والباب العالي يستشهد بهذه الخريطة أحيانًا، على أن هذه الخريطة لم يُوقف لها على أثر في مصر أو الآستانة، وحكومة مصر لم تعترف بالحدِّ المشار إليه، بل جعلت حد مصر الشرقي خطًّا مستقيمًا ممتدًّا من رفح على نحو 28 ميلًا من العريش إلى جنوب قلعة الوجه، فأدخلت به سيناء كلها وقلاع العقبة وضبا والمويلح والوجه، بدليل أنها كانت تدير سيناء وهذه القلاع وتحميها بعساكرها قبل فرمان سنة 1841، ثم لما سلَّمت القلاع الحجازية — من الوجه إلى العقبة — إلى الدولة سنة 87–1892 جعلت حدَّها الشرقي خطًّا مستقيمًا ممتدًّا من رفح إلى رأس خليج العقبة».

يتابع: «لذلك لما جاء فرمان عباس حلمي باشا من السلطان عبد الحميد، وقد أخرج منه جزيرة سيناء، قامت مصر تطالب بحقها، وعضدتها إنكلترا، فأوقفت قراءة الفرمان حتى ورد تلغراف جواد باشا الصدر الأعظم المؤرخ 8 أبريل سنة 1892 يولج مصر إدارة سيناء ويترك القديم على قدمه، فقبلت مصر الفرمان إذ ذاك وعدَّت التلغراف متممًا له.. ثم لأجل منع سوء التفاهم في المستقبل أرسل السر أفلن بارنج (اللورد كرومر) معتمد الدولة البريطانية في مصر بتاريخ 13 أبريل سنة 1892 مذكِّرة إلى تيغران باشا ناظر الخارجية المصرية في ذلك الحين، مفادها (أنه لا يمكن تغيير شيء من الفرمانات المقررة للعلائق التي بين الباب العالي ومصر إلَّا برضا الدولة البريطانية، وأن شبه جزيرة سيناء — أي الأراضي المحدودة شرقًا بخط يمتدُّ جنوبًا بشرق من نقطة تبعد مسافة قصيرة عن شرق العريش إلى خليج العقبة — تستمر إدارتها بيد مصر، وأمَّا القلعة الواقعة شرقي الخط المذكور فتكون تابعة لولاية الحجاز)».

طبقا لنعوم شقير، أرسل اللورد كرومر «مذكرته هذه رسميًّا إلى سفير إنكلترا في الآستانة، فأبلغها السفير إلى الباب العالي وأرسل أيضًا صورة منها مع صور جميع المكاتبات التي دارت بشأن فرمان التولية إلى الدول الأخرى فاعترفت بقبولها، وأمَّا الباب العالي فلم يجب عنها سلبًا ولا إيجابًا».

ظلت الأوضاع هادئة في سنياء حتى العام 1905، عندما اندلعت حادثة المرشَّش، والتي كانت مقدمة للنزاع المصري التركي الكبير حول طابا. يقول شقير: «نامت المسألة نومًا طبيعيًّا إلى أن سمي المستر براملي الإنكليزي مفتشًا للجزيرة سنة 1905، وشرع في تنظيم البوليس الأهلي وقسمه إلى هجانة ومشاة وأقام سدا ً في بطن وادي العريش قرب نخل لإرواء الأراضي المجاورة لها، فأشاعت بعض الجرائد المحلية المعادية للاحتلال البريطاني خبرًا مؤداه أن الإنكليز أرسلوا رجالهم إلى سيناء ليبنوا القلاع على حدودها وفي النفس شيء، فبعث والي سوريا برسالة برقية بهذا المعنى إلى السلطان عبد الحميد الثاني، فطلب من مصر رجوع العساكر الإنكليزية عن الحدود، فأجابته مصر بكذب هذه الإشاعة».

يتابع: «ثم بلغ مصر أن السلطان أمر بإنشاء نقطة عسكرية عند عين القُصَيِّمة وأخرى عند مشاش الكنتلا في وادي الجرافي، وكلا المحلين داخل في حد سيناء، وكان السلطان قد أنشأ قائمقامية جديدة سنة 1899 في بئر السبع، فأخذت مصر ترقب حركاته على الحدود بعين ساهرة.. وفي يناير سنة 1906 أصدرت أمرها إلى المستر براملي مفتش جزيرة سيناء بوضع خفر من البوليس في نقب العقبة لمراقبة الحدود، فذهب المستر براملي ببعض رجال البوليس إلى رأس النقب، ولما لم يجد فيه الماء الكافي نزل إلى المرشَّش في سفح النقب على الجانب الغربي من رأس خليج العقبة، وكان في قلعة العقبة إذ ذاك اللواء رشدي باشا الذي حارب في اليمن، فأتى المرشَّش وطلب من المستر براملي بكل تلطُّف الرجوع عنها، فرجع وأبلغ الأمر إلى حكومة مصر، فطلبت من السلطان عبد الحميد الثاني تعيين لجنة من الأتراك والمصريين لتحديد التخوم نهائيًّا بين سيناء وسوريا فأبى».

كان رفض السلطان العثماني ترسيم الحدود بين مصر ودولته شرقاً، يعني عدم قبوله بمصرية شبه جزيرة سيناء، والأهم أن رفضه كان يشير إلى نيته التحرك ضد سيناء في وقت قريب. وهو الأمر الذي حفز لاندلاع أزمة طابا بعد وقت قليل من حادثة المرشَّش.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع