شهادة نعوم شقير: عن «أزمة طابا» وانتصار المصريين على الأتراك في سيناء (5)

اللجنة المصرية لتعيين الحدود

اللجنة المصرية لتعيين الحدود

كتب: خالد أبو هريرة

لما يئس الاحتلال البريطاني في مصر من دفع الدولة العثمانية إلى العدول عن موقفها المتشدد من مسألة الحدود الشرقية مع المملكة المصرية، ورأى إصرار الأتراك على فرض الأمر الواقع باحتلال طابا ورفح، قرر أن يلجأ فوراً إلى سلاح التهديد بإعلان الحرب على تركيا، إن لم توافق الأخيرة على الجلوس على طاولة التفاوض، وتقبل بترسيم الحدود بصورة نهائية مع المصريين.

مثل كل مراحل أزمة طابا، كان نعوم شقير، المؤرخ اللبناني، والموظف بقلم المخابرات في الجيش المصري، حاضراً بصورة رسمية. وقد روى في كتابه (تاريخ سينا والعرب)، تفاصيل التهديد الإنجليزي للعثمانيين، ورد الأخيرين عليه بالجنوح أخيراً إلى السلم، والرضا بالمفاوضات الدبلوماسية لترسيم الحدود.

يقول نعوم شقير: «رأت إنكلترا أن في قبول مطالب تركيا خطرًا على حرية القنال ومصر والعائلة الخديوية، فأوعز ناظر خارجيتها السير إدوارد جراي إلى سفيرها في الآستانة السر نيقولاس أوكنور، فرفع إلى الباب العالي بلاغًا نهائيًّا بتاريخ 3 مايو يدعوه إلى إجابة مطالب إنكلترا في أثناء عشرة أيام، وهذه المطالب هي: (١) إخلاء طابا. (٢) عودة عساكر رفح إلى حدِّهم. (٣) إعادة عمودي الحدود في رفح إلى مكانهما، ودل البلاغ المذكور أنه إذا لم يقدِّم الباب العالي الترضية المطلوبة تضطر إنكلترا للالتجاء إلى القوة، وعضد سفيرا فرنسا وروسيا في الآستانة مطالب إنكلترا، وأخذت إنكلترا تستعد للطوارئ في مصر وسيناء والآستانة».

يتابع: «هذا وقد كان معلومًا للمطلعين على دخائل الأمور أن ألمانيا هي التي حرضت تركيا في الخفاء على إحداث مسألة الحدود، وحرَّضتها على المقاومة لغاية في النفس، والظاهر أن استعداد ألمانيا لم يكن قد تمَّ بعد، فنصح سفيرها في الآستانة السلطان بالتسليم إلى مطالب إنكلترا، فسلم السلطان بمطالب إنكلترا في آخر ساعة، وأمر فخرجت العساكر من طابا وعاد عساكر رفح إلى حدِّهم».

أعقب ذلك إرسال الصدر الأعظم توفيق باشا خطاب إلى السفير الإنجليزي في إسطنبول أوكونور في 14 مايو 1906، يخبره بأن تركيا سوف تعين لجنة لتعيين الحدود الشرقية مع مصر، وتنتظر أن تتخذ الحكومة المصرية وإدارة الاحتلال البريطاني القيام بخطوة مماثلة.

يقول نعوم شقير: «وبناءً على ذلك صدر أمر الباب العالي إلى المندوبين العثمانيين في العقبة أن يتحدا مع من تنتدبهم مصر لتعيين خط الحدود، وقد جرى تبديل في أعضاء اللجنة التي انتدبتها مصر أولًا لأسباب صحية، وتألفت من جديد من الأميرالاي أوين بك مدير المخابرات واللواء إبراهيم باشا فتحي من أرباب المعاشات إذ ذاك، وقد ندبت (أي نعوم شقير نفسه) للذهاب معهما سكرتيرًا للجنة المصرية».

وفقا لشقير، فقد «صحب اللجنة المصرية: المستر كيلن والمستر ويد، وهما مهندسان إنجليزيان بارعان من قلم المساحة المصرية؛ لأجل رسم خريطة فنية للحدود من العقبة إلى رفح، والقائمقام براكنرج بك طبيب إنكليزي ماهر من المصلحة الطبية بالجيش المصري، والمستر أفنس كاتب إنكليزي نجيب من موظفي إدارة المخابرات بمصر، ويوسف أفندي سامح «والان بك» مترجم تركي موظف في نظارة الحربية بمصر، فسار أعضاء اللجنة المصرية من مصر الخميس في ٢٤ مايو سنة ١٩٠٦ قاصدين العقبة بطريق البحر، فوصلوا جزيرة فرعون مساء السبت في ٢٦ من الشهر المذكور».

في اللقاء الذي جمع اللجنتين المصرية والتركية، قال شقير إن اللواء رشدي بك، قائد الحامية العثمانية في طابا أكد أن الدولة العثمانية «إنما أخلت طابا وتركتها لمصر حفظًا لكرامة مصر والدولة البريطانية»، ثم طلب في لقاء ذلك «أن تسلم اللجنة المصرية بأن يبدأ الخط المستقيم — المشار إليه في كتاب الصدر الأعظم — من أنف الجبل الذي على شاطئ الخليج ويطل على وادي طابا من الشرق، ثم يتمشى على رءوس تلال النقب التي تطل على العقبة إلى المفرق، قالوا: لأن هذا الحد وحده يضمن سلامة العقبة من الوجهة الحربية، فأجلت اللجنة المصرية قرارها في ذلك إلى أن تتم خريطة الحدود».

في ٤ يونيو سنة ١٩٠٦ «فرغ المهندسان من رسم خريطة العقبة فبرحناها على أن نسير على الحدود إلى رفح، ولما كان اتفاق ١٤ مايو الأخير يقضي باتباع «خط يقرب من المستقيم يبدأ من رفح وينتهي بنقطة تبعد ٣ أميال على الأقل من العقبة»؛ كان لا بدَّ لنا قبل ترك العقبة من تعيين نقطة على خليج العقبة تكون مبدأ الخط الذي نسير عليه، فاتفقنا أن يكون مبدأه المرشش التي تبعد الميل من قلعة العقبة، وخمَّنَّا موقع رفح تخمينًا من الخرط التي بأيدينا، ورسمنا بين المكانين خطًّا تقريبيًّا اتخذناه دليلًا لنا لتعيين جهة السير على الحدود، فجعلنا أول محطة لنا المفرق عند رأس النقب، فوصلناه عصر ٤ يونيو، وكان في حملتنا نحو مائة جمل يخفرها اثنا عشر من هجانة خفر السواحل».

يتابع شقير: «وفي ٧ يونيو سنة ١٩٠٦ سار المهندسان أمامنا على الخط المستقيم التخميني يعينان مواقع الجبال والأمكنة البارزة على جانبي الخط بالأرصاد الفلكية.. وما زلنا كذلك حتى أتينا رفح في ٢٨ يونيو سنة ١٩٠٦، ولم نكن نعلم موقعها الجغرافي بالدقة، فلما وصلناها وجدنا مكتب التلغراف من مصر قد سبقنا إليها، فاتصل المهندسان بالمرصد الفلكي في حلوان فعيَّنا موقع رفح الجغرافي فإذا هو في طول شرقي ٨ ٥٢ ٣٥° وعرض شمالي ١ ٣٦ ٢٩°، ولم يكن في رفح محل يصلح لرسم الخرط، فأخذ المهندسان أرصادهما ورسومهما وذهبا إلى قلعة العريش، وكان في انتظارهما هناك المستر هيس من موظفي قلم المساحة النجباء، فرسموا خريطة للحدود خطًّا مستقيمًا من رفح إلى المرشش والبلاد عن جانبيه على نحو خمسة أميال من كل جانب».

مع اكتمال رسم الخارطة المصرية لسيناء، أصبح الاجتماع مع اللجنة التركية ضروريا للفراغ من تعيين الحدود. ولكن من جديد، ظهر الخلاف بين الطرفين، فقد «عرضت اللجنة المصرية خطًّا للحدود يقرب جدًّا من المستقيم وينطبق على طبيعة البلاد وتقسيم القبائل أكثر من كل خط سواه.. أمَّا اللجنة التركية فقد عرضت خطًّا — سمته الخط الإداري الفاصل — بدأ من رأس طابا على خليج العقبة، وامتد على رءوس التلال المطلة على العقبة إلى المفرق، ثم سار بطريق غزة المشهورة إلى أن وصل جبل الأحيقبة، فانحرف شمالًا بغرب إلى بئر عجرود فضمها إليه، ثم عاد إلى طريق غزة حتى وصل قرب عين القُصَيِّمة، فانحرف غربًا نحو ٥ كيلومترات عنها فضمها إليه، ومرَّ فوق جبل المويلح إلى الروافعة في وادي العريش، وتمشَّى في الوادي إلى المقضبة، ثم سار شمالًا بشرق إلى الحد بين السواركة والترابين فتمشى عليه إلى رفح، فمرَّ بعمودي الحدود إلى أن وصل البحر المتوسط عند تل خرائب عند ميناء رفح على البحر المتوسط، وقد أدخلت اللجنة التركية في هذا الخط كثيرًا من بلاد اللحيوات والتياها والعزازمة والترابين التابعين لسيناء، وحجتها أن قائمقامية بئر السبع بعد تأسيسها سنة ١٨٩٩ وقائمقامية غزَّة من قبلها ضربتا عليها الضرائب، وأن اتفاق ١٤ مايو يقضي علينا بترك القديم على قدمه».

ردت اللجنة المصرية على نظيرتها التركية بالحجج التي تثبت تبعية تلك الأراضي السيناوية المضمومة إلى حدود الدولة العثمانية إلى المملكة المصرية. يقول شقير: «بيَّنت اللجنة المصرية بالأدلة الناصعة والمحررات الرسمية وشهادة مشايخ الحدود أنفسهم الذين رافقونا من العقبة إلى رفح أن البلاد التي أخرجتها اللجنة التركية من خطنا الذي يقرب من المستقيم وأدخلتها في خطها المتعرِّج نحو الغرب؛ كانت منذ القديم تابعة لسيناء ولم يدفع أهلها قط ضرائب لتركيا، إلَّا القديرات التياها والصبحيُّون العزازمة الداخلين في خطنا أيضًا، فقد تبيَّن أن قائمقامية بئر السبع بعد تأسيسها سنة ١٨٩٩ ضربت عليهم بعض الضرائب ظلمًا واعتداءً، ولكن قائمقامية غزة من قبلها لم تضرب عليهم ضرائب».

استغرقت المناقشات بين الجانبين عدة جلسات بين ٨ و٢٢ يوليو سنة ١٩٠٦، وأصرَّت اللجنة التركية على رأيها ولم تشأ تعديل خطها، وهو ما أجبر كل طرف على رفع حججه وآراءه مفصلة إلى حكومته. وبذلك، تدخل أزمة طابا مرحلتها الأخيرة، وتقترب أخيرا من الخطوة المنتظرة بالتوقيع على اتفاق ترسيم الحدود الشرقية بين مصر وتركيا.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع