شهادة نعوم شقير: عن «أزمة طابا» وانتصار المصريين على الأتراك في سيناء (6)

لجنتا تعيين الحدود المصرية والتركية

لجنتا تعيين الحدود المصرية والتركية

كتب: خالد أبو هريرة

لعبت التهديدات البريطانية للعثمانيين بشن الحرب إن أصروا على ضم شبه جزيرة سيناء، دورا حاسما في قبول تركيا أخيرا للخريطة التي رسمتها الحكومة المصرية، واعتبرت سيناء كاملة جزءا من القطر المصري.

يقول المؤرخ اللبناني نعوم شقير، والذي كان مندوبا عن الحكومة المصرية في المفاوضات مع الجانب التركي، في كتابه (تاريخ سينا والعرب): «فلما كان يوم ١٣ سبتمبر سنة ١٩٠٦ جاء لكل فريق تلغراف من حكومته، يخبره بما تمَّ عليه القرار بين سفير الدولة البريطانية ومجلس الوكلاء في الآستانة، ومفاد الإرادة السلطانية بهذا الشأن والموافقة على الشروط التي وضعتها اللجنة المصرية».

يتابع: «فعقد أعضاء اللجنتين عدة جلسات، وعيَّنوا خط الحدود.. ولما كان صباح ١ أكتوبر سنة ١٩٠٦ جاء لكل فريق التصريح من حكومته بتوقيع الاتفاق والخريطة، فاجتمع الفريقان ورسموا الخط المتفق عليه منقطًا بالحبر الأسود الهندي على نسختين من خريطة الحدود، ثم بحثوا مليًّا في اللغة التي يكتب بها الاتفاق فاتفقوا أخيرًا على أن يكتب بالتركية؛ لأنها اللغة الرسمية بين تركيا ومصر، وأن يعمل منه نسختان ويوقع الفريقان نسختي الاتفاق والخريطة، وأن يترجم الاتفاق إلى الإنكليزية والعربية فيأخذ كل فريق نسخة من كل ترجمة ليضمها إلى الأصل الموقَّع».

بعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود «أصبح من الضروري أن يعود أعضاء اللجنتين على طول الحد لتخطيطه عملًا بالمادة الثالثة، فقرَّ رأي اللجنتين أن تقام عمد على طول الخط، وتُثبَّت في الأرض بفلنكات من حديد كعمد التلغراف، وبعد ذلك تُبنى في مكان هذه العمد عمد ثابتة بالحجر والأسمنت بحضور مندوبي الفريقين، وعليه فقد أحضروا من مصر بطريق القنطرة عمدًا وفلنكات من حديد، وسار الفريقان على طول الخط ونصبوا العُمد بحيث كان كل عمود يُرى من مكان العمود الذي يليه كنص المادة المذكورة، فكان جملة ما نصبوه ٩١ عمودًا، وقد نصبوا أول عمود في ميناء رفح على تل الخرائب المارِّ ذكره بعد ظهر الخميس في ٤ أكتوبر، وآخر عمود على رأس طابا الأربعاء في ١٧ منه عند غروب الشمس».

يتابع نعوم شقير عن مسألة العمد، وكانت مهمة جدا لأنها تحدد أملاك كل طرف: «بعد الاتفاق على شكل العمد، شرع إسماعيل أفندي ورجاله في بناء العمد، يصحبهم المندوبون الأتراك الثلاثة على طول الخط؛ حتى أتوا إلى آخرها، وقد اعترضهم في الطريق صعوبتان: الماء والحجارة في الصحاري المرملة؛ أمَّا الماء فإنهم بعد خروجهم من طابا أتوا به من بئر ملحان وبئر غضيان في وادي العربة حتى وصلوا آبار مايين فوجدوها جافة فاستقوا من بئر المغارة، وأتوا بالحجارة إلى صحراء الهاشة من جبل أم قف قرب جبال الصفرا، وإلى صحراء العجرة من خرائب العوجة وجبل خشم القرن وخربة الرطيل وشاطئ البحر».

يقول أيضا: «وكان أول عمود بنوه على رأس طابا السبت في ٣١ ديسمبر سنة ١٩٠٦ أعطوه نمرة ٩١، وآخر عمود على تل الخرائب في ميناء رفح في ٩ فبراير سنة ١٩٠٧ أعطوه نمرة ١، وهذه السرعة التي أتمَّ فيها إسماعيل أفندي ورجاله بناء العمد على طول الخط دلَّت على نشاط عظيم وأوجبت لهم كل مدح وثناء».

بعد الفراغ من تلك التفاصيل الفنية، بدأت الحكومة المصرية في زيادة وجودها بسيناء، منعا لأية تدخلات خارجية على غرار أزمة طابا. يقول نعوم شقير: «شرعت حكومة سيناء في إقامة نقط البوليس على الحدود، فجعلت نقطًا في بئر الثمد، ومشاش الكنتلا، والقُصَيِّمة، ورفح، ومدَّت إليها الأسلاك التليفونية، وما زالت مثابرة على الإصلاح حتى قامت الحرب الأوربية الكبرى في أغسطس سنة ١٩١٤، وزج الاتحاديون الدولة في هذه الحرب في جانب ألمانيا، وجرَّدوا حملة على مصر قصد فتحها، فرأت السلطة العسكرية في مصر إخلاء سيناء لتجعل الصحراء بينها وبين الجيش المهاجم، فسحبت عساكرها من نقط الحدود ثم أخلت العريش في ٢٤ أكتوبر ونخل في ٣٠ أكتوبر سنة ١٩١٤، فدخل الأتراك سيناء واحتلوا بلاد العريش والتيه».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع