في ظل فُرجَة العثمانيين.. كيف تسابقت القوى الأوروبية على احتلال تونس؟

تونس العثمانية

تونس العثمانية

كتب: خالد أبو هريرة

كان ضعف الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر الميلادي، وعدم قدرتها على الدفاع عن أقاليمها في العربي أو البلقان، سبباً في سقوط تلك الأقاليم تباعاً في قبضة الاستعمار الأوروبي، والذي راحت أطرافه الرئيسية تتنافس فيما بينها على تركة العثمانيين الضخمة والثرية، والمصطلح على تسميتها بـ«تركة الرجل المريض».

كانت تونس، البلد العربي في شمال أفريقيا، إحدى تلك البلدان التي تنافست عليها ذئاب الاستعمار، إذ تسابقوا فيما بينهم على حصد الامتيازات الأجنبية من العثمانيين، لتأسيس وجود اقتصادي وثقافي وسياسي في الديار التونسية. ولم ينته هذا السباق إلا بفوز فرنسا به في النهاية، ومن خلال صفقة عقدتها مع كل من إنجلترا وألمانيا. بينما اكتفى رجال الدولة العثمانية كعادتهم في ذلك الزمن بالفرجة على جزء من إمبراطوريتهم وهو ينتزع.

في كتابه «تونس الثائرة»، يعود الأديب والزعيم الوطني التونسي علي البهلوان، إلى ذلك التنافس الاستعماري على بلاده، ويجعله فاتحة المأساة التونسية، والتي لم تنته إلا بوقوع البلد العربي فريسة للاحتلال الفرنسي.

يقول البهلوان: «لما تم لفرنسا احتلال مدينة الجزائر عام 1830، واتسع نفوذها في حرب لا هوادة فيها ولا رحمة، حتى شمل القطر الشقيق كله، اتجهت أنظارها إلى تونس لترسخ قدمها بالمغرب العربي؛ إذ من الواضح أن شمال أفريقيا وحدة جغرافية واقتصادية زادها التاريخ والجنس والدين واللغة والعادات المماثلة متانة. وقد فطن ساسة فرنسا إلى ارتباط أقطار المغرب في مصيرها ارتباطًا وثيقًا، فخشوا أن تصبح تونس خطرًا يهدد وجودهم في الجزائر، إن احتفظت باستقلالها أو احتلَّتها إحدى الدول الأوروبية المناهضة لفرنسا».

يتابع: «كانت تونس خلال القرن التاسع عشر ميدانًا للتنافس بين الدول الاستعمارية، وخاصة بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا، وكاد يكون التدخل الأجنبي في شئون البلاد سافرًا، وتوطدت العلاقات بين القناصل والقصر بالتداول والتناوب؛ إذ كل واحد منهم يسعى في أن يرتقي كرسي الوزارة من يثق به ويناصره ويسايره في توسيع نفوذه واتصاله بالقصر، وكان الوزير مصطفى خازندار — رغم عيوبه — حجر عثرة في سبيل فرنسا وعدوًّا يقاوم تدخلها، معتمدًا في ذلك على بريطانيا وممثلها. ولكن تلك الدول جميعها اتفقت على عرقلة كل نهضة، وإفساد كل إصلاح، وإدخال الفوضى على أداة الحكم، وتكوين الاضطراب في البلاد؛ لتبقى تونس كالثمرة اليانعة تقتطفها إحداها متى سنحت لها الفرصة».

كانت الامتيازات الأجنبية هي التي كبلت تونس، وجعلتها فريسة بشكل حتمي للاحتلال الأجنبي. يقول البهلوان: «ازدادت الجاليات الأجنبية في هذه المدة وتكاثر عدد أفرادها من التجار والفنيين خاصة، فطالب قناصل الدول الأجنبية بإدخال إصلاحات على نظام الحكم بدعوى حماية هذه الجاليات، ثم بذلوا مجهودات كبيرة لعرقلة تلك الإصلاحات وأرادوا أن تطبق جملة، مع علمهم أن الحالة المالية وإن كانت حسنة إلا أنها لا يمكن بحال أن تتحمل المصروفات الباهظة التي تتطلبها الإصلاحات، فأجبروا الحكومة التونسية على القيام بما أرادوه حتى أعجزوها ماليًّا، وإذ ذاك فرضوا عليها دواءً أخطر من الداء نفسه، وحملوها على أخذ قروض متوالية لا يصل منها إلى صندوق الدولة إلا النزر اليسير، ثم خطوا خطوة أجرأ، فاتخذوا دعوى حماية تلك الأموال المقترضة سببًا للتدخل المباشر في شئون تونس، وأجبروا الحكومة على تسليم مصلحة الجمارك للأجانب مقابل القروض، فلم تفِ بالحاجة لاتساع الاضطرابات التي تكونها وتغذيها هذه الدول الاستعمارية وخاصة فرنسا، وكانت ثورة علي بن غذاهم عام ١٨٦٤ أعظمها وأكثرها اتساعًا، فازدادت هكذا الفوضى وعمت ونقص بسببها إيراد الدولة نقصًا فادحًا، وضغط إذ ذاك ممثلو الدول على ملك البلاد ضغطًا كانت نتيجته تكوين لجنة مالية دولية (١٨٧٠) تحت رئاسة المصلح التونسي العظيم خير الدين باشا، فوجدت الديون قد بلغت ١٢٥ مليون فرنك، ولكنها سمحت للأجانب أن يسيطروا مباشرة على حظوظ تونس المالية، خاصة وأنهم اتخذوا من تلك اللجنة نفسها ميدانًا للتنافس، وتسابقوا إلى الحصول على الامتيازات المتنوعة».

كانت أهم تلك الامتيازات، حصول الفرنسيين على «امتياز بإنشاء سكة حديد بين تونس والجزائر سنة ١٨٧٤.. بينما حاول القنصل الإيطالي أخذ امتياز إنشاء مصلحة تلغراف فلم يفلح، ولكنه حصل على شراء السكة الحديدية الممتدة بين تونس وحلق الوادي من شركة بريطانية بفضل ما بذله من أموال طائلة، وأخذ القنصل الفرنسي «روسطان» امتيازًا بإنشاء سكة حديد أخرى بين تونس وبنزرت، وتونس وسوسة، وإنشاء ميناء بتونس».

وفقاً للبهلوان، كان التزاحم الحقيقي على تونس بين «ممثل فرنسا وممثل بريطانيا العظمى القنصل ريتشارد وود الذي كان يؤيد بقاء مصطفى خازندار، ويشجعه على توثيق العلاقات بين تونس المستقلة في الواقع والدولة العثمانية التي ما زالت تعتبرها ولاية من ولاياتها، حتى لا تجد فرنسا منفذًا للاستيلاء عليها».

استمر الصراع البريطاني الفرنسي على تونس حتى لعبت هزيمة فرنسا في حربها ضد ألمانيا في أوروبا، دوراً حاسما في خلق لون من التسوية بين القوى الأوروبية الثلاث الكبرى (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) في مؤتمر برلين 1878، الذي انعقد أصلاً بسبب هزيمة الدولة العثمانية أمام روسيا القيصرية.

في برلين، قررت ألمانيا، وفي محاولة لنزع فتيل مواجهة عسكرية جديدة ضد الفرنسيين، أن توافق على تقسيم الولايات العثمانية في العالم العربي بين الفرنسيين والإنجليز، حيث تمنح تونس لـ فرنسا، وتمنح مصر لإنجلترا. يقول علي البهلوان: «دامت الخصومة لأجل تونس بين الدولتين الكبيرتين أكثر من عشرين سنة، ولم تنتهِ إلا في مؤتمر برلين عام ١٨٧٨ بعد هزيمة تركيا في حربها مع روسيا عام ١٨٧٧، ولا سيما بعد هزيمة فرنسا في حربها مع ألمانيا عام ١٨٧٠.. فبعد أن ألحقت ألمانيا مقاطعتي الألزاس واللورين بإمبراطوريتها، صرفت عنايتها للاحتفاظ بهما وإبعاد فرنسا عن فكرة الأخذ بالثأر ومحاولة استرجاع هاتين المقاطعتين، ورأت أن تفسح لها المجال في بسط نفوذها خارج أوروبا. وكان «بسمارك» يسعى بصفة عامة للاحتفاظ بالوضع الذي نتج في أوروبا عن حرب سنة ١٨٧٠، ويعمل على توجيه الدول نحو الشرق، فكان لا يمانع في امتداد نفوذ فرنسا في تونس وبريطانيا في مصر.. وكانت إنجلترا لا تعارض في تقطيع أوصال الدولة العثمانية في أوروبا وفي غيرها.. أما فرنسا، فإنها كانت تحاول الابتعاد عن الميدان الدولي خشية التورط في مشاكل خارجية لا تستطيع أن توجهها، وقد خرجت من الحرب مهيضة الجناح عام ١٨٧٠.. وظهرت هذه الاتجاهات أثناء مؤتمر برلين عام ١٨٧٨، فأوعزت ألمانيا لفرنسا بوضع يدها على تونس حتى لا تضع العراقيل في وجهها في المؤتمر، كما نصحتها إنجلترا ببسط نفوذها على تونس لتتمكن هي بدورها من الاستيلاء على مصر».

ويختتم المناضل التونسي كلامه عن تلك الصفقة قائلاً: «وهكذا قامت ألمانيا وإنجلترا بتشجيع فرنسا على احتلال تونس وفصلها عن ممتلكات تركيا، وإن كانت تونس في الحقيقة لا تربطها مع الدولة العثمانية في ذلك العهد إلا الروابط الروحية».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع