نزعت أسماء الصحابة من الجوامع: جمعية «ترك أوجاغي» لتتريك العرب والإسلام

أعضاء ترك أوجاغي في العام 1914

أعضاء ترك أوجاغي في العام 1914

كتب: خالد أبو هريرة

رغم أن وصول الشبان الأتراك - أو جمعية الاتحاد والترقي - إلى سدة الحكم في الدولة العثمانية عقب انقلاب إسطنبول العام 1908، كان خبراً مبهجاً للقيادات السياسية العربية التي حصلت على وعد من منفذي الانقلاب، بتدشين عصر اللامركزية العثمانية، وبالتالي منح العرب الحكم الذاتي، فإن السنوات التالية، والتي شهدت احتكار القوميين المتطرفين من الضباط الأتراك للسلطة في إسطنبول، أثبتت عدم صدقية

الاتحاديين (نسبة للاتحاد والترقي) في وعودهم للعرب، بعد أن انقلبوا إلى تبني السياسة الطورانية التي تقول بتفوق العرق التركي على سائر الأعراق في العالم العثماني، وضرورة تتريك تلك العناصر - أي جعلها تركية قسراً - للحفاظ على الإمبراطورية.

كان الشاعر اللبناني أسعد خليل داغر (1860 - 1935)، وأحد دعاة الثورة العربية ضد الاتحاديين، شاهداً على ذلك الانقلاب في العلاقات العربية - التركية. كما عاين بنفسه محاولات التتريك التي قام بها قادة إسطنبول تجاه العناصر العربية في ذلك العصر. وفي كتابه (ثورة العرب)، الذي نشر في العام 1916، أي في نفس السنة التي اندلعت فيها الثورة العربية الكبرى ضد الحكم العثماني، ترك داغر تفاصيل شهادته تلك، حول أحد أكثر الأحداث الحاسمة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

التقرير التالي يستعين بـ أسعد داغر، للتعريف بأحد الأدوات الدعائية الخطيرة التي استخدمها الاتحاديون لـ تتريك العرب، وهي الجمعية المعروفة باسم «ترك أوجاغي»، والتي كان هدفها تعميق الإيمان بالفكرة الطورانية، والتأسيس الأيديولوجي للدولة العثمانية على أساسها، بدلا من الأفكار الإسلاموية التي تقول بوحدة الدولة على أساس الدين، أو الفكرة العثمانية التي تقول بقبول كافة العناصر العرقية والدينية دون تمييز..

يقول داغر عن «ترك أوجاغي»، والتي يصفها بـ «المعول الاتحادي العظيم» لتحطيم الإسلام والقومية العربية: «أنشأ الاتحاديون جمعية تركية عظيمة سموها جمعية «ترك أوجاغي» — أي طائفة الترك أو العائلة التركية — وجعلوا غايتها محو الإسلام وتتريك العناصر العثمانية، ومركزها في الأستانة، ومصاريفها من تخصيصات وزارتي الأوقاف والداخلية ومن المشيخة الإسلامية أيضًا، وهي منتشرة في كل بلدة وقرية في الأناضول والقوقاز وتركستان وتراقيا ومقدونيا».

امتلكت الجمعية «أربعة فروع لكل منها مهمة خاصة به، وهذه الفروع هي:

«أولًا: «ترك يوردي» — أي المملكة التركية — ومهمته العناية بالآداب التركية بطرق شتى أهمها «تطهير» اللغة التركية من الكلمات العربية وجعلها لغة مغولية بحتة، وتأليف الكتب القومية بهذه اللغة وتعليمها في المدارس، ونشرها في البلاد التركية، وكتابتها بحروف منفصلة؛ لكي لا يبقى بينها وبين اللغة العربية أقل شبه».

يتابع: «ووظيفة أعضاء جمعية «ترك يوردي» مقاومة كل كاتب تركي أو غير تركي لا يرى رأيهم ولا يعتقد معتقدهم، ونشر الكتب القومية والأناشيد الحماسية بين الترك وتدريسهم التاريخ الطوراني القديم، وإفهامهم أن الترك أعظم أمة في العالم اختارتها الأقدار لسيادة الأمم، وقد جرى لهم حوادث عديدة مع فريق من عقلاء الترك أنفسهم كعلي كمال بك والدكتور رضا نور بك ولطفي فكري بك وغيرهم، فاتهموا هؤلاء بالخيانة وتهددوهم بالقتل، وقالوا إن العنصر التركي يتبرأ منهم، وأنهم من أصل يوناني وأنه لا وطنية لهم ولا قومية ولا شرف».

ثاني فروع «ترك أوجاغي» هي: «(ترك درنكي) — أي ثبات الترك — ومهمته بث الفكرة القومية في الترك العثمانيين وغير العثمانيين بشكل لم يسبق له مثيل في تواريخ الأمم.. وأعضاء ترك درنكي من غلاة الاتحاديين وأشدهم كرهًا للعناصر ورغبة في تتريكها والقضاء على الفكرة القومية فيها، وهم على جانب عظيم من الهمة والنشاط، ولكن الغرور أعمى أبصارهم وأسدل ستارًا من الجهل على عقولهم، فكانت ثمرة نشاطهم شرًّا على الدولة ووبالًا».

أما ثالث الفروع فهو المعروف باسم: «(ترك بلكيشي) — أي العلم التركي — ومهمة أعضائه ترجمة الكتب العلمية إلى اللغة التركية القديمة، ونشر هذه اللغة بين الترك، وبث الفكرة القومية التركية في تركستان والقوقاز وربطهما بدولة الاتحاديين برباط سياسي متين».

وآخر الفروع يدعى: «(ترك كوجي) — أي القوة التركية — ومهمته العناية بصحة الترك، وتقوية أجسامهم، ونشر الألعاب الرياضية بينهم».

يقول أسعد داغر بعد ذلك عن الجمعية: «ويشترط للدخول في جمعية «ترك أوجاغي» أو في أحد فروعها أن يكون طالب الدخول تركيًّا، وأن يدفع رسمًا شهريًّا، وأن يتعهد ببذل حياته ونشاطه وماله لإعلاء شأن الترك وبسط سيادتهم على الأمم الأخرى، وأن يغير اسمه باسم طوراني يُعْرَفُ به بين أصحابه، فمن كان اسمه أنور مثلًا صار يُعْرَفُ اليوم بين أصحابه باسم ايشلداق — أي أنور بالتركية القديمة — ومن كان اسمه محمدًا أو سليمًا أو حسينًا أو سعيدًا صار اسمه اليوم تيمورًا أو جنكيزًا أو هولاكو أو أوغوز … إلخ».

كما أن ضباط الاتحاد والترقي من أعضاء الجمعية بدلوا «أسماءهم بأسماء طورانية، وكذلك رجال الحكومة الحالية؛ لأنهم كلهم من «ترك أوجاغي»، ويُعْرَفُونَ بين أصحابهم الترك بأسماء طورانية غير أسمائهم التي يعرفهم بها غير الترك».

كان التعميم لتدريس التاريخ التركي القديم في كل المدارس العثمانية، وسيلة بارزة استعان بها الاتحاديون لتثبيت الأفكار الطورانية في نفوس الأجيال الناشئة. يقول داغر: «وقد أنشأت جمعية ترك أوجاغي وفروعها أندية عديدة في جميع المدن والقرى التركية لتدريس تاريخ الترك القديم، ولا سيما تاريخ هولاكو وأوغوز وجنكيز خان، وبث الفكرة التركية في الأمة التركية، وجعلها تعتقد بتفوقها على الأمم الأخرى في كل شيء، وعينت هذه الجمعية ثلاثة أيام في الأسبوع لتعليم النساء التركيات التاريخ القديم، وبث الفكرة العنصرية فيهن، وحملهن على العناية بتربية أطفالهن تربية قومية تركية، وتبرعت وزارة أوقاف المسلمين أخيرًا بخمسين ألف ليرة عثمانية لجمعية «ترك أوجاغي» لأجل تأليف تواريخ مفصلة لهولاكو وأوغوز وجنكيز وتيمورلنك».

كما كان الإسلام نفسه هدفا لسياسات التتريك التي اعتمدتها «ترك أوجاغي»، بعد أن اتخذت خطوات لمحو كل الأصول العربية لهذا الدين في نفوس الأتراك. يقول داغر: «سعت جمعية ترك أوجاغي أخيرًا في ترجمة القرآن الكريم إلى التركية القديمة مع خطبة الجمعة والأدعية الدينية وغيرها مما يوجب الدين الإسلامي تلاوته باللغة العربية، وعزمت على نزع أسماء الصحابة من الجوامع؛ لاعتقادها بأن وجود هذه الأسماء العربية في الجوامع والأماكن المقدسة مما يضعف الفكرة القومية في الترك».

أخيراً، فإن التعليم بسائر فروعه ومراحله، أصبح خاضعاً هو الآخر لجمعية «ترك أوجاغي»، ممتثل بأمرها، منفذ لسياساتها. يقول أسعد داغر: «وليست المدارس العثمانية رشدية كانت أو إعدادية، ملكية أو عسكرية؛ إلا فروعًا من فروع جمعية «ترك أوجاغي»، وكذلك جمعية الاتحاد والترقي وجميع الجمعيات السياسية والعلمية والدينية والأدبية التي تأسست في الأستانة والأناضول قبل الحرب الأوروبية وبعدها.. وقد أدخلت الحكومة في برنامج مدارسها العالية، ولا سيما المدرسة الحربية ومدرسة أركان الحرب في الأستانة درس تاريخ الطورانين وعلومهم الحربية وآدابهم ونظامهم، وعهدت إلى أحمد أغايف بك وأمين بك وخالد ضياء بك وحمد الله بك في إلقاء محاضرات يومية في هذه المواضيع على تلامذة المدارس الحربية ومدارس الحقوق والطب والهندسة وغيرها، وترسيخ الفكرة التركية في نفوسهم، واستعاض التلامذة في جميع المدارس الابتدائية والإعدادية والعالية من الكتب العصرية بمجموعة «ترك يوردي» — المملكة التركية — وكتاب ترك قليجي — السيف التركي — وتاريخ توران وتاريخ تيمورلنك وهولاكو وجنكيز خان وغيرهم».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع