«مصر ابتليت والشام خربت».. العثمانيون وقرون الانحطاط في ديار العرب

العثمانيون

العثمانيون

كتب: خالد أبو هريرة

كان المؤرخ والمستشرق الفرنسي غوستاف لوبون (1841 - 1931)، أحد أكثر المفكرين الغربيين شهرة في أوساط النهضويين العرب، بين أواخر القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، إذ لعب إنصافه للحضارة العربية، واعترافه بفضلها على نشوء المدنية في الغرب الأوروبي، دوراً حاسماً في إقبال النخب المثقفة العربية على ترجمة معظم مؤلفاته إلى لغة الضاد، واتخاذ محتواها حجة في وجه الناقدين للعرب والعروبة.

ولما كان الأتراك في نهاية الدولة العثمانية من أبرز الذين انتقصوا من قيمة الحضارة العربية، فإن كلام غوستاف لوبون عن دور الأتراك العثمانيين التخريبي في حضارة المسلمين، مثل مصدراً بارزاً استخدمه العرب في مقارعة نظرائهم الأتراك بالحجة والدليل.

كان المفكر السوري محمد كرد علي واحداً من الذين استخدموا رأي لوبون في الرد على مزاعم الأتراك، وذلك في كتابه (الإسلام والحضارة العربية)، والذي هو سردية طويلة للدفاع عن دور العرب الحضاري منذ ظهور الإسلام، وتفنيد الشبهات التي رددها غير العرب حول حقيقة ذلك الدور.

يبدأ (كرد علي) في النقل عن المفكر الفرنسي، من النظرية التي طرحها الأخير حول طبيعة الدولة العثمانية العسكرية البحتة، والتي تسببت وفقاً له في غياب التمدن والحضارة عن تلك الدولة، وعن العالم الإسلامي بالتبعية. يقول غوستاف لوبون: «رأينا البلاد التي خضعت للترك قرونًا متقهقرة متراجعة، خرجوا منها كما دخلوا إليها على مركبات البقر، على ما وقع لهم في الروم إيلي (البلقان)، وكانوا إذا فتحوا بلدًا عمروا فيه ثكنة أولًا وجامعًا ثانيًا، أما المدرسة فلا تُعمر إلا بعد سنين طويلة وبدواعٍ كثيرة، يعمرها بعض نبهاء عمالهم على الأكثر بالسخرة وأموال المظالم والمغارم؛ وذلك فرارًا بأموالهم من المصادرات، أو بأنقاض الجوامع والمدارس القديمة، وما أكثر ولوعهم بالبناء على الأنقاض!. وهذه المدارس إذا قيست بما كان من نوعها في مصر لا تُعد شيئًا».

يتابع كرد علي النقل فيقول: «وقد نظر لبون إلى عمل الترك في التمدين نظرة قدر معها الأشياء بقيمتها في الجملة، فقال: جاء الأتراك بعد العرب فاستولوا على جزء عظيم من بلاد الشرق ومنها مصر، والأتراك إذا نُظر إليهم من الوجهة السياسية كان لهم عصر عظمة، فإن سلاطينهم الذين خلفوا إمبراطرة القسطنطينية، ورفعوا علم الهلال على كنيسة أيا صوفيا بدلًا من الصليب اليوناني، قد أدخلوا الرعب زمنًا طويلًا على قلوب أشد ملوك أوروبا شكيمة، وتوسعوا في نشر كلمة الإسلام، بيد أن سلطانهم كان أبدًا عسكريًّا محضًا، أثبتوا كفاءتهم لتأسيس مملكة ضخمة، وكانوا إلى العجز في كل أيامهم عن إحداث مدنية لهم، وما كان أقصى همهم إلا أن ينتفعوا بما كان تحت أيديهم، فأخذوا عن العرب العلم والفنون والصناعة والتجارة وما إلى ذلك، وفي جميع المعارف التي برز فيها العرب لم يؤثر للترك أدنى ارتقاء. وكما أن الشعوب التي لا ترتقي تتراجع بحكم الطبيعة، ما عتمت ساعة انحطاط الترك أن حانت. وترجع نهاية تاريخ مدنية العرب في الشرق إلى اليوم الذي انتقلت فيه القوة الحربية في بلادهم إلى أيدي غيرهم، وظل التاريخ يذكر العرب لما لهم من التأثير الديني، ولكن مستوى المدنية التي بلغوها لم توفق العناصر التي خلفتها إلى الاحتفاظ به».

خص غوستاف لوبون مصراً بحديث خاص، بما أنها وفقاً لرأيه كانت أكثر البلدان تضرراً من الحكم العثماني. يقول: «وكانت مصر أعظم البلدان التي ابتُليت بهذا الانحطاط العظيم، فبدأ تدنيها من العصر الذي انتصر فيه السلطان سليم، وجعل مصر ولاية من ولايات السلطنة العثمانية، فضعفت فيها الفنون والعلوم والصناعة بالتدريج. وكانت مصر كسائر الولايات التي رُبطت بالآستانة، يديرها ولاة يتوالى تبديلهم، ولا يفكرون إلا بأن يغتنوا سريعًا، فمسخ رونق البلاد القديم، ولم يقم أقل مصنع جديد، وأُهملت المصانع التالدة، وخلت من يد تتعهدها، ولم يبقَ منها إلا ما غفلت عنه الأيام».

يتابع - وكلامه هذه المرة عن بلاد الشام - : «وقال أيضًا: كانت الشام على عهد الأمويين وأوائل عهد العباسيين من البلاد التي رأت حضارة بلغت أقصى حدود رقيها، وأصبح العرب أساتيذ بعد أن كانوا تلاميذ، واستفاضت العلوم والشعر والفنون الجميلة أي استفاضة، ودام نجاح الشام إلى عهد التقسيم الذي مزق مملكة الخلفاء، وعندها أخذت بالضعف، ولكنها لم تنطفئ شعلتها كل الانطفاء إلا عندما سقطت في حكم الأتراك، ولم يكن الخراب مطلقًا، فإن معظم عجائب البذخ والفنون والصناعة التي جمعتها العرب قد زال أثره، ولم تلبث بعض العواصم مثل صور وصيدا أن أصبحتا في حكم قريتين كبيرتين، وعريت الجبال من أشجارها كل التعرية، وأقفرت القرى من سكانها، وكانت من أغنى الأرضين، وفي هذه الأماكن التي طالما أمرعت في غابر الدهر، أصبح العشب لا ينبت، منذ ضغطت عليها أيدي الترك».

وقد أبى محمد كرد علي أن يغلق كلام غوستاف لوبون دون التعليق عليه، والقول في إنصاف بأن إلقاء اللائمة في انحطاط الحضارة الإسلامية على عاتق العثمانيين يعتبر ظلماً لهم، وأن الحقيقة تقتضي القول بأن الدولة العثمانية استولت على عواصم الحضارة الإسلامية في وقت كانت فيه تلك الأخيرة تعاني أصلا التراجع والتخلف، منذ غزوات المغول الكبرى التي أسقطت الخلافة العباسية. والحقيقة، فإن جريرة العثمانيين الفعلية كانت في نظر كرد علي، إبقائهم على الأوضاع الفكرية للمسلمين كما وجدوها، دون سعي منهم لتطويرها، أو حتى إعادتها إلى سابق رونقها.

يقول المفكر السوري: «هذا رأي لبون في حكمه على الأتراك واستعدادهم للحضارة، وما أثروه في بلاد العرب، ومن العدل أن لا يفوتنا أن انحطاط العرب بدأ بذهاب الدولة العباسية، وبأمثال هولاكو وجنكيز وغازان وتيمور من المغول. وكان العلم يعيش في البلاد الإسلامية بقوة التسلسل المنبعثة من أصله المتين، فلما جاء الأتراك العثمانيون لم يزيدوا أوضاعًا من شأنها تقوية العلم، بل سكتوا على ما كان، فزاد بهم التأخر؛ لأنهم لم يسعهم أن يأخذوا بأيدي الناس إلى مضمار التقدم في العلوم والآداب، ولو بصرف العناية في إخراجهم من الأمية».  

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع