تونس: كيف عطلتها تركيا وقوى الاستعمار عن النهوض الوطني؟

الغزو الفرنسي لتونس

الغزو الفرنسي لتونس

كتب: خالد أبو هريرة

قبل وقت طويل من فرض الحماية الفرنسية عليها في العام 1881، كانت تونس، البلد العربي الواقع في شمال إفريقية، تتمتع باستقلال قرارها السياسي عن الدولة العثمانية، حتى وإن ظلت روابط واهية تربط بين الطرفين إلى أواخر القرن التاسع عشر. وقد نجحت النخب الحاكمة في تونس خلال ذلك الوقت في تطوير دولة دستورية حديثة قبل تركيا العثمانية نفسها، ولم يعق تونس عن إكمال مشروعها الإصلاحي، سوى الاحتلال الفرنسي، الذي كان ثمرة صفقة دولية ضمت بريطانيا وألمانيا والدولة العثمانية.

يقول الأديب التونسي، والمناضل الوطني علي البهلوان في كتابه (تونس الثائرة): «كانت تونس قبل الحماية الفرنسية دولة تتمتع باستقلالها، لها ذاتيتها وميزانيتها، سواء داخليًّا أو خارجيًّا؛ فكانت أرضها محدودة مضبوطة، وكان سكانها متوحدين تجمعهم إرادة واحدة وضمير قومي واحد تحت حكومة تدير البلاد كلها».

يتابع: «وقد استقلت تونس استقلالًا حقيقيًّا منذ اعتلى عرشها مؤسس الدولة الحسينية جلالة الباي حسين بن علي عام ١٧٠٥، فأصبح المُلك وراثيًّا في أبنائه، دون أن تتدخل أية دولة أجنبية. وكانت الروابط بين ملك تونس والسلطنة العثمانية روحانية فقط؛ أي روابط أمير مسلم مع خليفة المسلمين وأمير المؤمنين. وكانت السلطات كلها مجموعة في قبضة الباي في العهد الأول، إلى أن أخذت البلاد التونسية تتطور في العصر الحديث وتدخل التنظيمات اللازمة في حياتها السياسية والاقتصادية والثقافية».

وعن التحول الدستوري لتونس، يقول البهلوان: «كانت تونس أول بلد شرقي سَنَّ لنفسه دستورًا، فأصدر ملك تونس محمد باشا باي (٢٠ محرم ١٢٧٤ / ١٠ سبتمبر ١٨٥٧) مقدمة ذلك الدستور مطلِقًا عليها اسم عهد الأمان، وكان القسم الأول منه في الحقيقة إعلانًا واضحًا لحقوق الإنسان، فضمن البند الأول أمن جميع سكان المملكة من غير امتياز في الدين والجنس ولا الجنسية، وأعلنت بقية البنود مساواة جميع السكان أمام الضرائب والأداءات وأمام القانون أيضًا، وجعلت التسامح الديني أساسًا لمعاملة جميع من يسكن تونس، كما حررت التجارة والملكية».

إضافة إلى ذلك، «أعطى محمد الصادق باي نظامًا جديدًا للدولة التونسية عندما أصدر دستورها (٢٦ أبريل١٨٦١) الذي لم يُنسخ إلى هذه الساعة، وقد شمل ذلك الدستور النظام السياسي والمالي والإداري والقضائي.. أما النظام السياسي، فقد أقيم على بعض المبادئ من مشاركة المجلس الأهلي في السلطة التشريعية وبقاء السلطة التنفيذية كاملة في قبضة الباي ووزرائه، واستقلال السلطة القضائية والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين».

وأما السلطة التشريعية، فيقر البهلوان أن «حق سن القوانين كان من مشمولات الأمير والمجلس الأعلى، ولكنها لا تكون صالحة نافذة إلا بعد اتفاق الباي والمجلس الأعلى عليها».

طبِّق الدستور التونسي «ودام معمولًا به عدة أعوام، ثم أُهمل، ولكنه لم يلغَ ولم يُنسخ أبدًا، وقد أصدر أستاذان للحقوق — فايس وبرتلمي — فتوى جزمَا فيها بأن الدستور ما زال موجودًا قانونيًّا اعتمادًا على أن الملك المطلق إذا ما تنازل لشعبه عن بعض السلطات لا يمكن له التراجع فيها وافتكاكها من جديد، وعلى أن الدستور السياسي يحتفظ بوجوده القانوني ما لم يلغَ بنص صريح، فلم ينسخه القرار السفيري الصادر عن المقيم العام الفرنسي بتونس في ٢٥ ديسمبر ١٨٨٤، الذي فسخ كل الأوامر العلية (أي المراسيم الملكية) السابقة لعام ١٨٨١».

يعقب علي البهلوان: «كانت تونس هكذا دولة مستقلة تسير في تطورها نحو نظام ديمقراطي يشارك فيه الشعب شيئًا فشيئًا، ويضمن لجميع أفراده الحرية والمساواة، خاصة وأن الإصلاح لم يقتصر على الميدان السياسي، بل شمل الميادين كلها من اقتصاد وتعليم وحياة اجتماعية.. ففي عهد الصادق باي، سعى المصلح التونسي الكبير خير الدين باشا في تجديد البلاد، وسن ما يناسبها من الأنظمة العصرية النافعة بعد أن سافر إلى أوروبا واطلع على سر تقدمها، وسجل آراءه وأفكاره في أول كتاب ظهر في الإصلاح في العالم العربي سماه: (أحسن المسالك في سياسة المالك) وإن آراءه الصافية الجلية صالحة لأن تكون أساس نهضتنا في عصرنا الحاضر، فنظَّم الإدارة المركزية والإدارات المحلية تنظيمًا عصريًّا، كما نظَّم البلديات والمحاكم الشرعية وشئون الأوقاف، وسن قانونًا جديدًا يضمن للفلاحين حقوقهم، كما وضع برنامجًا خاصًّا لتوزيع الأراضي الزراعية الأميرية على سكان البادية، وأنشأ مجلسًا للعناية بالشئون الصحية وإدارة الأوقاف، ونظم مناهج التعليم بجامع الزيتونة، وأسس المدرسة الصادقية لدراسة العلوم الحديثة واللغات الأجنبية، كما أرسل البعثات العلمية إلى إيطاليا وفرنسا».

وبينما كانت تونس تمضي في هذا الطريق، فاجئتها الظروف الدولية الصعبة في أوروبا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث أدت هزيمة فرنسا أمام ألمانيا، وهزيمة العثمانيين على يد الروس، إلى عقد مؤتمر برلين في العام 1878، والذي اتفقت خلاله بريطانيا وفرنسا وألمانيا على منح فرنسا الأراضي التونسية كي تستعمرها، مقابل صمت الفرنسيين على اهتمامات بريطانيا بمصر، والتوقف عن محاولة استعادة الألزاس واللورين من ألمانيا.

يقول علي البهلوان عن صفقة برلين، والتي كانت تركيا على علم بتفاصيلها: «دامت الخصومة لأجل تونس بين الدولتين الكبيرتين أكثر من عشرين سنة، ولم تنتهِ إلا في مؤتمر برلين عام ١٨٧٨ بعد هزيمة تركيا في حربها مع روسيا عام ١٨٧٧، ولا سيما بعد هزيمة فرنسا في حربها مع ألمانيا عام ١٨٧٠.. فبعد أن ألحقت ألمانيا مقاطعتي الألزاس واللورين بإمبراطوريتها، صرفت عنايتها للاحتفاظ بهما وإبعاد فرنسا عن فكرة الأخذ بالثأر ومحاولة استرجاع هاتين المقاطعتين، ورأت أن تفسح لها المجال في بسط نفوذها خارج أوروبا. وكان (بسمارك) يسعى بصفة عامة للاحتفاظ بالوضع الذي نتج في أوروبا عن حرب سنة ١٨٧٠، ويعمل على توجيه الدول نحو الشرق، فكان لا يمانع في امتداد نفوذ فرنسا في تونس وبريطانيا في مصر.. وكانت إنجلترا لا تعارض في تقطيع أوصال الدولة العثمانية في أوروبا وفي غيرها.. أما فرنسا، فإنها كانت تحاول الابتعاد عن الميدان الدولي خشية التورط في مشاكل خارجية لا تستطيع أن توجهها، وقد خرجت من الحرب مهيضة الجناح عام ١٨٧٠.. وظهرت هذه الاتجاهات أثناء مؤتمر برلين عام ١٨٧٨، فأوعزت ألمانيا لفرنسا بوضع يدها على تونس حتى لا تضع العراقيل في وجهها في المؤتمر، كما نصحتها إنجلترا ببسط نفوذها على تونس لتتمكن هي بدورها من الاستيلاء على مصر».

ثم يعقب: «وهكذا كانت تونس تسير بخطًى واسعة في سبيل الرقي والتقدم، إلى أن مُنيت بالاحتلال الفرنسي، فأقامت فرنسا العراقيل في سبيل هذه النهضة وعطلت سيرها، وأعادت البعثات العلمية من أوروبا، وحوَّلت مناهج التعليم بالمدرسة الصادقية إلى أن جعلتها مناهج لإخراج الموظفين الصغار والمترجمين فحسب».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع