«حرب على لغة الضاد وتاريخ أهلها».. خطة الأتراك لطمس الهوية العربية

جمال باشا السفاح

جمال باشا السفاح

كتب: خالد أبو هريرة

منذ العام 1908، ظل العرب -خصوصا في سوريا والعراق- حلفاءً للقادة الأتراك في جمعية الاتحاد والترقي القابضة على السلطة في إسطنبول. وذلك أملًا في تنفيذ الاتحاديين وعدهم بمنح البلاد العربية الحكم اللامركزي. ولكن مع مضي السنوات، تبين للعيان أن الأتراك ينوون شرًا تجاه الناطقين بالضاد، سواء بالتخلي عن الوعد السابق، أو باتباع سياسة التتريك تجاههم. وهو ما تفجر أخيرًا أثناء الحرب العظمى، التي شهدت اللقاء الأخير بين الأمتين العربية والتركية قبل ظهور الدولة القومية الحديثة في الشرق الأوسط.

في كتابه «ثورة العرب»، تابع الأديب اللبناني، أسعد خليل داغر، تلك السنوات الحرجة، التي تكشفت فيها لقيادات العرب نوايا الاتحاد والترقي، وصولاً إلى الحرب العظمى..

يبدأ داغر ببعض النقولات حول العرب، قالها بعض أهم المثقفين الأتراك، تكشف عن نوايا الاتحاد والترقي. ووفقًا له، فإن «أحد عظماء الترك كتب يقول: (إن لم نعامل العرب كما نريد عاملونا بما نستحق)، فذهب قوله مثلًا.. وألف جلال نوري بك الكاتب التركي الشهير كتابًا عنوانه (تاريخ المستقبل)، جاء فيه: إن المصلحة تقضي على حكومة الأستانة بإكراه السوريين على ترك أوطانهم، وأن بلاد العرب ولا سيما اليمن والعراق يجب تحويلها إلى مستعمرات تركية لنشر اللغة التركية التي يجب أن تكون لغة الدين، ومما لا مندوحة لنا عنه للدفاع عن كياننا أن نحوّل جميع الأقطار العربية إلى أقطار تركية؛ لأن النشء العربي الحديث صار يشعر اليوم بعصبية جنسية، وهو يهددنا بنكبة عظيمة يجب أن نحتاط لها من الآن».

يتابع أسعد داغر النقل فيقول: «وقال أحمد شريف بك في جريدة «طنين»: لا يزال العرب يلهجون بلغتهم وهم يجهلون اللغة التركية جهلًا تامًّا، كأنهم ليسوا تحت حكم الترك، فمن واجبات الباب العالي في هذه الحال أن ينسيهم لغتهم ويجبرهم على تعلم لغة الأمة التي تحكمهم، فإذا أهمل هذا الواجب كان كمن يسعى إلى حتفه بظلفه؛ لأن العرب إن لم ينسوا لغتهم وتاريخهم وعاداتهم فإنهم سيعملون عاجلًا أو آجلًا على استرجاع مجدهم الضائع وتشييد دولة عربية جديدة على أنقاض دولة الترك».

ثم يعلق الأديب اللبناني قائلاً: «هذه هي آراء الاتحاديين بالأمة العربية كما صرح بها فريق من زعمائهم، وهذه هي الغاية التي وضعوها نصب أعينهم منذ تقلدوا زمام الأحكام في البلاد العثمانية، وقد أدرك العرب مصيرهم من ذلك الحين، وعلموا أن الاتحاديين قرروا حسم المسألة العربية حسمًا نهائيًّا باتًّا بالطريقة التي ألفوها منهم، وهي مداواة العلل الاجتماعية بالسيف والمحافظة على سلامة دولة الترك ببتر الأعضاء التي يخشون أن يتطرق الفساد إليها، فنشأ عن ذلك أن العناصر العثمانية التي عمل الاتحاديون على سحقها واستئصالها لمت شعثها وجمعت كلمتها واستعدت للدفاع عن كيانها شأن كل ذي حياة في الوجود، واقتفى العرب أثر تلك العناصر».

يتابع: «على أن تلك العصبة السفاحة (يقصد قادة الاتحاد والترقي) لم تكن لتعدل عن الخطة التي قررت اتباعها مع العرب مهما أخلصوا لها، وما تظاهرها بالميل إلى بعض زعمائهم في بدء الأمر إلا خدعة قصدت منها اكتساب الوقت لإعداد ما ينقصها من المعدات لسحق الأمة العربية والتربص لأحسن فرصة تمكنها من ضرب العرب ضربة قاضية».

وقد ظل ذلك الترقب حتى اندلاع الحرب العظمى في أغسطس من العام 1914، وتلقاها الاتحاديون وفقًا لأسعد داغر «بحماسة عظيمة. لا لثقتهم بانتصار ألمانيا التي قرروا خوض غمار الحرب في جانبها، بل لأنهم رأوا في انشغال الدول الأوروبية عنهم واهتمام الرأي المتمدن العام بسواهم خير فرصة ينتهزونها لتحقيق آمالهم وتنفيذ الخطة التي رسموها من زمن بعيد، فأعلنوا التعبئة العامة في البلاد العثمانية وجعلوا يقربون أحرار العرب منهم ويعينون زعماءهم وأدباءهم في أسمى المناصب الملكية والعسكرية ليكسبوا ثقة الأمة العربية بهم فتطمئن إليهم ولا تحتاط لهم، فينفذون خطتهم فيها على أهون سبيل».

يتابع: «وهذا ما وقع فعلًا، فإن الاتحاديين عينوا في بدء الحرب الأوروبية الفريق زكي باشا الحلبي - وهو من كبار ضباط العرب - قائدًا على الجيوش التي كانت مرابطة في سورية، وجعلوا معظم أعوانه ومساعديه والجنود التي كان يقودها من أبناء العرب، وعاملوا السوريين والعراقيين أحسن معاملة، فقلدوهم المناصب، وتظاهروا بالإخلاص لهم، وقالوا إنهم سيعملون معهم يدًا واحدة للدفاع عن كيان الدولة المشتركة بينهم، فصدق العرب هذه الأكاذيب، واندفعوا بعامل الوطنية إلى شد أزر الاتحاديين، وأجمعوا على وجوب تأييدهم وبذل كل غال ونفيس في سبيلهم، فخاض جنودهم غمار المعارك في معظم ميادين القتال، وأبلوا بلاءً حسنًا في القوقاس والعراق والدردنيل، وألغوا جمعياتهم وأحزابهم السياسية، وتناسوا كل المنازعات الداخلية، ودفعوا في سبعة أشهر من الضرائب والإعانات الحربية أضعاف ما ضُرِبَ على الأمة التركية وما تبرع به الترك منذ بدء الحرب إلى الآن. وقد ظلت الحال على هذا المنوال، والعرب درع الدولة المتين وموردها العظيم في المال والرجال إلى أن عُيِّنَ جمال باشا السفاح خلفًا للفريق زكي باشا الحلبي في منصب القيادة العامة في سورية».

كان وصول جمال باشا السفاح إلى دمشق حاسماً في مسار العلاقات العربية التركية، بما أنه كان من انقلب على سياسة المحاباة التركية القديمة، وشرع في تعقب قادة القومية العربية بأحكام الإعدامات المتلاحقة، وهي الأحكام التي لا تزال ذكراها ماثلة في الأذهان إلى اليوم بين سوريا ولبنان، بل وتتخذ تواريخها مناسبات وطنية رسمية.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع