«البوسطة» في الزمن العثماني: جنة للمعارضة ووسيلة لتهريب الأموال إلى أوروبا

مكتب بريد في العاصمة العثمانية إسطنبول

مكتب بريد في العاصمة العثمانية إسطنبول

كتب: خالد أبو هريرة

في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، أدخل العثمانيون تقنية البريد والتلغراف إلى الإمبراطورية بعد تردد. وفور ظهور مكاتب البريد في الأقاليم العثمانية المختلفة، خصوصًا الأجنبية منها، فإن المعارضين للسلطان عبد الحميد الثاني، استخدموها في إجراء المراسلات السرية فيما بينهم. كما أنها أصبحت كذلك وسيلة من قبل البعض من رجال الدولة العثمانية، لتهريب الأموال المنهوبة من شعوب الإمبراطورية، إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

عن مكاتب البريد الأجنبية في الزمن العثماني، يدور التقرير التالي..

في كتابه (الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده)، يذكر الأديب سليمان البستاني، أن منح امتيازات للقوى الأوروبية لتأسيس مكاتب تلغراف داخل الأراضي العثمانية، كان دومًا مثيرًا للجدل، وقد يصل إلى حد تهديد القوة الأوروبية بضرب الدولة العثمانية، إن لم تقبل الأخيرة بظهور مكتب تلغراف تابع لها. ويضرب البستاني المثل بإيطاليا، فيقول: «إن الخلاف الذي قام هذه الأيام بين الحكومة العثمانية وإيطاليا، قد كشف عن حقيقة في غاية الغرابة؛ طلبت الحكومة الإيطالية أن يؤذَن لها بفتح مكتب بريد في القدس أُسوة لها بسائر الدول الأُوروبية الكبرى. ولَمَّا لم يجَب طلبها أرعدت وأبرقت وحشدت الأساطيل فلم تَجِدِ الدولةُ، سبيلًا إلى الرفض؛ فسلموا بمطالب إيطاليا خصوصًا بعد أن اتضح لهم انحياز جميع الدول إلى جانب الإيطاليان حتى صديقتنا دولة الألمان. وليس هنا موضع البحث في مبلغ العدل من هذا الطلب، ولكن المرام بيان مبلغ الظلم ووقوعه في نفوس العثمانيين بصرف النظر عن حق مكتسب لأجنبي، أو مطمع يسعى إلى بلوغ غايته منه».

رغم تلك المهانة، فإن البستاني يؤكد أن أعضاء الجمعيات الوطنية العثمانية، ظلوا حريصين على قبول الدولة العثمانية للطلب الإيطالي، خوفًا من أن يؤدي الرفض، إلى إغلاق مكاتب التلغراف الأجنبية، التي كانت المتنفس للمعارضين في مكاتبة بعضهم البعض. يقول البستاني: «كانت إيطاليا تلح في الطلب، والدولة تعتذر عن الإجابة، ولم يكن أحد من ذوي المصالح في البلاد العثمانية، حتى المخلصين المتفانين في حبها القاطرة قلوبهم دمًا على كل ذرة حق تسلب منها، لم يكن منهم حتى ولا واحد يدعو لدولته بالفوز خوفًا من أن تتذرع بذلك إلى إلغاء مكاتب البريد الأجنبية. أفليس ذلك من غرائب الوطنية، وإن عد في غير زمن الاستبداد خيانة فادحة؟.. كان العثمانيون جميعًا يعلمون أن مكاتب البُرُد الأجنبية منتشرة في ثغور البلاد من الأستانة على البوسفور إلى الدردنيل في مرمرة، إلى ثغور البحر المتوسط كـ أزمير وسالونيك، حتى بيروت ويافا إلى البحر الأحمر، فخليج فارس حتى البصرة. وبعضها في قلب البلاد البعيدة عن الثغور كبغداد والقدس، وأن بعض هذه البرد يخترق الصحراء من بغداد إلى الشام. يعلمون كل ذلك وينظرون مرارًا إلى ثائر الخلاف بين دولتهم والدول الأُخرى بشأن رقابة تلك المكاتب، وهم يدعون للدول الأجنبية بالفوز من صميم أفئدتهم مع علمهم أنها حقوق يُسلبونها. ولم ذلك؟ لأنهم كانوا يعلمون أنه بزوال تلك المكاتب من بلادهم تزول آخر بقية من حرية المكاتبة؛ فيتعطل ما لم يتعطل بعد من مصالحهم».

بل إن البستاني حتى يفجر المفاجأة حول دعم بعض رجال الدولة العثمانية لمكاتب البريد الأجنبية في الباطن، بما أن هؤلاء في الحقيقة، كانوا أعضاء سريين في الجمعيات الوطنية المذكورة. يقول: «ولقد عرفنا كثيرين من رجال الحكومة الذين كانوا يعملون في الظاهر على إلغاء تلك المكاتب، وهم في الباطن يؤيدون مطالب الأجانب خوفًا على مراسلاتهم وتفاديًا مما ربما يَنال علاقاتهم السرية من الضرر».

ثم يتابع قائلًا: «وهكذا فقد كان لهذه البُرُد (جمع البريد) مؤيد من المخلص والخائن على حد سوى؛ أما المخلص فلما تقدم من الأسباب، وأما الخائن؛ فلأنها كانت الوسيلة الوحيدة لإيداع مصارف أوروبا وأميركا الملايين الصفر المقطرة من دماء الأهالي».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع