العثمانيون في مذابح الشام 1860: سرقوا تعويضات الضحايا وأخفوا أدلة الإدانة

مذابح العام 1860

مذابح العام 1860

كتب: خالد أبو هريرة

في كتابه «دمشق.. مدينة السحر والشعر»، أشار المفكر والمؤرخ السوري محمد كرد علي (1876 - 1953)، إلى دور العثمانيين في اشعال الفتنة الطائفية بين الدروز والموارنة الكاثوليك في الشام، والتي أدت إلى وقوع مذابح العام 1860 الشهيرة بين دمشق وجبل لبنان. وأكد كرد علي أن والي دمشق في وقت المذابح، أحمد باشا، كان ينفذ أوامر السلطة العثمانية، بترك الاعتداءات على الموارنة، دون تدخل من الجيش التركي، لإيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوفهم. وكان جزاء أحمد باشا في النهاية، إلقاء اللوم عليه وحده من قبل العثمانيين أنفسهم، بل وإعدامه، ومعه المخاطبات بينه وبين إسطنبول، إمعانًا في إخفاء دور الدولة في المذابح.

يقول كرد علي، عن مذابح 1860: «خلاصتها قيام رعاع المسلمين والدروز على نصارى دمشق وقتلهم ونهبهم، وإلقاء النار خمسة أيام في حيّهم حتى خرب كله، وكانت هذه المذابح بدأت من قبل في لبنان، وهلك في دير القمر وزحلة ووادي التيم ألوف من النصارى بِيد جيرانهم الدروز، جرى هذا في مدينة التسامح واللطف، فسوَّد الأشقياء سمعة دمشق بعد أن عاش المواطنون قرونًا في صفاء وولاء، وكانت لبعض الدول الغربية يدٌ في إثارة نفوس النصارى من جهة، وإثارة الدروز من أخرى».

يتابع: «ويكاد المؤرخون يُجمِعون على أن الدولة العثمانية هي التي دفعت الرعاع أو غضت الطرف عنهم، فارتكبوا ما ارتكبوا، وكان والي دمشق لما رأى أهل زحلة يجمعون جموعهم للغارة على الدروز، أرسل إليهم وفدًا من دمشق لينصح لهم بالعدول عن فتح باب الشر، فقبل الدروز بمقترحه إلا أن الزحليين لم يقبلوا، وكان بعد ذلك ما كان من إثخان الدروز في جيرانهم النصارى في لبنان ووادي التيم، ثم سرت هذه الشرارة إلى دمشق وهلك فيها من النصارى ٥٥٠٠ مسيحي، وقدَّر بعضهم عدد القتلى في لبنان ودمشق باثني عشر ألفًا، وهو عدد مبالغ فيه، وأرسلت الدولة على الأثر أحد عظماء رجالها فؤاد باشا لإطفاء الفتنة، وإرضاء الدول العظمى حامية النصارى في الشرق، فقتل من مسلمي دمشق ١١١ رجلًا رشقًا بالرصاص، وصلب ٥٦، ونفى ١٤٥، وحكم بالأشغال الشاقة على ١٨٦، وكان في جملة من قتل ١٨ رجلًا من كبار الأسر، وأرسل زُهاء ألف رجل إلى المنفى والسجون خارج دمشق».

أما والي دمشق أحمد باشا، فقد قُتل «رميًا بالرصاص؛ قالوا لتساهله في الفتنة، والحقيقة أنه نفَّذ أوامر الآستانة فخافت الدولة شيوع الخبر فقتلته، بعد أن أخذ فؤاد باشا أوراقه، وأخذت الحكومة تجبي المال للتعويض على المنكوبين، فجبت مئات الألوف من الليرات غرامة من أهل دمشق يبنون بها الحي الذي أصبح طعام النار، وجنَّدوا ثلاثة آلاف جندي، وجعلوا بدل الخدمة في الجندية من النقد مائتي ليرة ذهبية، وبلغت الخسائر مليونًا وربع مليون من الليرات».

التعويضات المالية التي وعدت بها الدولة العثمانية أسر الضحايا، لم تدفعها من خزانتها، وإنما من أهالي الشام أنفسهم. وحتى مع ذلك، لم يصل من تلك التعويضات إلى مستحقيها إلا القليل، بينما راحت معظم الأموال إلى جيوب الناهبين من رجال الحكومة أنفسهم. يقول كرد علي: «عوضت الدولة على المنكوبين من أموال الأهالي، ولم يصل إلى مَن أريدت معاونتهم مما جُبِي بهذا الاسم أكثر من الربع، وضاع الربع الثاني في النفقات، واختلس الربع الثالث عمالُ الحكومة، وأصاب صيارفة اليهود الربع الرابع، وكانت الخسارة عظيمة على الحكومة وعلى رعاياها من المسلمين والنصارى، وربحت الدولة من كل هذا تذليل الرعية وإخضاع الزعماء وأرباب المقاطعات، وخسرت دمشق ألوفًا من البيوت المسيحية، هاجرت من دمشق إلى بيروت وقبرص ومصر واستوطنوها استيطانًا قطعيًّا».

في النهاية، يرى كرد علي، أنه «لولا المئات من أعيان دمشق وتجارها وغيرهم من أرباب الدين والمروءة، من الذين فتحوا بيوتهم وصدورهم لحماية المسيحيين والمسيحيات، لما بقي منهم ديار؛ لأن الأمر بعد أن خرج من يد الحكمة صار إلى أيدي الرعاع، والرعاع في العادة لا حد لتعديهم وإسرافهم، عمل المسلمون بما فرضه عليهم دينهم من حماية أهل الذمة، ولكن السياسة لعبت ألاعيبها، فعوقب حتى بعض من حمى مواطنيه، وأطعمهم وألبسهم وحنا عليهم».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع