«مكة خَرُبَت من أفعال المفسدين».. حكايات الفوضى في الحجاز العثماني

مكة المكرمة

مكة المكرمة

كتب: خالد أبو هريرة

في نهاية القرن السابع عشر الميلادي، أخذت بلاد الحجاز نصيبها من الفوضى التي ضربت أقاليم الإمبراطورية العثمانية في ذلك، ونتجت عن تراخي القبضة المركزية في إسطنبول، وانحلال القوى العسكرية للأتراك. ومثل كل البلاد العربية، أصبح الحجاز مسرحًا للصراعات العبثية بين الأمراء المتصارعين على السلطة، ومرتعًا للفاسدين، واللصوص، وقطاع السبل.

يقول المفكر السوري محمد سعد أطلس، في الجزء السابع من كتابه (عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية) عن أيام الفوضى في الحجاز العثماني، وكانت عاصمته مكة المكرمة، ويحكمها الأشراف من سلالة النبي محمد ﷺ: «في سنة 1672، اجتمع الأشراف ومن بينهم الشريف أحمد بن محمد الحارث، وجاء حسن باشا معلنًا ولاية الشريف بركات بن محمد، ففرح الناس بذلك لِما كان يتحلى به وهنؤوه بالشرافة، واطمأن الوضع في أيامه، وكان موضع ثقة الباب العالي، قال صاحب خلاصة الأثر: وحَظِيَ عند السلطنة، وكان مقبول الكلمة عندهم لما كان لكثيره من مداراتهم، وكان كثير الإحسان للأشراف كثير التعطف بهم، وتقووا في زمنه وقويت شوكتهم وكثرت أموالهم، وبسبب ذلك بقي كبار الأشراف وصغارهم تحت طوعه، وحمدت طريقته، وأمنت في زمنه السبل، وربحت التجارة، وانتظم الأمر خصوصًا للحجاج.

لكن هذه الأيام الهادئة، لم تلبث أن انقلبت نارًا بسبب السياسة التي أقرها العثمانيون تجاه الحجاز، بعد وفاة الشريف بركات بن محمد. يقول أطلس: «وقد ظل الشريف بركات على سيرته الحميدة هذه إلى أن توفي سنة 1683، فتولى بعده ابنه الشريف سعيد، وألبسه القاضي خلعة الاستمرار بموجب أمر السلطان الذي بيده، والذي يتضمن كونه ولي عهد أبيه، ولم ينازعه أحد من الأشراف، ثم وصلته خلعة الاستمرار من صاحب مصر، ووردت بعدها من السلطان العثماني، ولم تمضِ فترة حتى جاءت إرادة سلطانية من إستانبول تقضي بجعل الولاية أرباعًا؛ ربع للشريف سعيد، والأرباع الثلاثة الباقية لسائر الأشراف، فوقعت الاختلافات بينهم وفسدت أمور البلاد، وصار عبيد كل شريف وجماعته يجمعون الأموال، ولاقى الناس منهم بلاء عظيمًا».

استمر هذا الوضع «إلى أن حان وقت الحج، فاجتمع الشريف سعيد وحاكم مكة القائد أحمد بن جوهر وأمير الحاج الشامي وأمير الحاج المصري، وتداولوا هذا الأمر فلم يصلوا إلى قرار تستتب به الأوضاع، وزاد الفساد واضطرب حبل الأمن وانقطعت السبل، ولم يعد يأمن الناس على أنفسهم من السير بعد الغروب، وكثرت القتلى والتعديات، وازدادت أضرار عبيد الأشراف ومماليكهم وجماعاتهم، وفسد الأمر حتى اضطر الشريف سعيد أن يرسل إلى الباب العالي ترجمانه، ويذكر فساد الحالة في مكة، وأنها خربت، فمن الواجب إرسال جند نظاميين يضبطون أحوالها».

طبقًا لما ذكره سعد أطلس، فإن الترجمان لما وصل إلى إسطنبول «شاور السلطان العثماني أول الأمر، وكان في الأستانة يومئذ الشريف أحمد بن زيد، فتم الاتفاق على إرساله إلى مكة، وذهب في مطلع عام 1684، فاستأنس الناس به، وعادت المياه إلى مجاريها شيئًا فشيئًا؛ لما كان يتمتع به من الحزم والعقل، وظل في الولاية إلى أن مات في سنة 1687 فاجتمع أركان البلاد واتفقوا على إقامة ابن أخيه الشريف سعيد بن سعد، فعارضه بذلك الشريف أحمد بن غالب، ووقعت فتنة بين الاثنين انتهت بانكسار الشريف أحمد وجماعته، واضطر إلى أن يفر إلى اليمن، أما الشريف محسن فإنه دخل مكة في فجر عام 1689 وأخذت تأتيه رسائل من الشريف أحمد كلها تهديد وإنذار، كما أتت رسائل إلى أعيان الحجاز ومنها تهديد وإنذار بغارة قوية أثناء الموسم، وذاع خبر هذه الرسائل بين الناس فاضطربوا لها، وترقبوا زحف الشريف أحمد بن غالب مع جماعات من اليمن، ولم يرَ الشريف محسن بُدًّا من الاستنجاد بصاحب مصر، ولكن لما مضى موسم الحج ولم يجئ أحد تبين للشريف محسن أن الرسائل مكذوبة من بعض الأشراف في الحجاز فهدأت الحالة».

وفي العام 1690، «تفرقت كلمة الأشراف في الحجاز، وخرجوا إلى الطرقات العامة، وأكثروا النهب والسلب وبخاصة في جهات جدة، واشتدت الحالة على الناس حتى أجمع أمرهم أخيرًا على الكتابة إلى السلطان يشكون إليه سوء الحالة وما يقع من الأشراف، وأن العساكر السلطانية لا تطيع أوامر الشريف لتهدئة الحالة، فلم يكترث الباب العالي للأمر، واضطر الشريف محسن أن يتنازل للشريف سعيد بن سعد في سنة 1691، فتولى الشرافة للمرة الثانية فسار سيرة عنيفة لا يهاب سلطانًا ولا يخضع لقانون، ولم يلبث قليلًا حتى جاءه الفرمان من الباب العالي بإقراره في الشرافة، وقد وقعت في البلاد فتن كثيرة من جراء قسوته وسوء معاملته للناس والأشراف، ولما ضج العامة من سوء تصرفه رأى العقلاء أن يكتبوا للباب العالي باستبداله، فوردت عليهم البشائر بتفويض أمر الديار الحجازية لأبيه الشريف سعد بن زيد وأن يكون ابنه الشريف سعيد نائبًا عنه، فهدأت الأحوال هدوءًا نسبيًّا».

أعقب ذلك عودة الفوضى من جديد إلى كل مناطق الحجاز تقريبًا. ففي سنة 1693، «كثر الأشقياء والمفسدون في البلاد فانقطعت الطرق وتفاقم الأمر حتى اضطر الشريف سعد أن يعسَّ في الليل بنفسه مع العساكر إلى أن انقطعت أسباب الفتن، ولم تهدأ الحالة إلا حين جاءت الأخبار بأن الشريف أحمد بن غالب قد هجم على مدينة القنفذة واستولى عليها، وأنه في طريقه إلى مكة، فاستنجد الشريف سعد بالباب العالي فبعث إليه بجيش عليه إسماعيل باشا ومعه محمد باشا صاحب جدة، ولما علم الشريف أحمد بقدومهما كتب إلى الشريف سعد يعلمه بخضوعه للدولة وأنه قادم للحج، وهدأت الأحوال من جديد إلى أن وقعت واقعة بين الشريف سعد وبين محمد باشا صاحب جدة، فكتب هذا إلى الباب العالي يطلب عزل الشريف وتولية الشرافة لعبد الله بن هاشم، ووافق الباب العالي على ذلك، ووقعت حروب وفتن طويلة بين الجانبين انتهت بانهزام الشريف سعد وتولية الشريف عبد الله، وكان هذا على جانب من الحزم والسياسة، وقد أراد أن يسير بالبلاد سيرة رشيدة، ويقضي على الفتن والثورات كما يقضي على سلطة الأشراف، ولكنه لم يلبث أن هلك في سنة 1701 بعد أن قضى أربعة أشهر في الحكم، فلما مات طلب الأهلون من الباشا أن يكفيهم شر الشريف أحمد بن غالب الذي أعلن العصيان والفتنة، وبعث يتهدد وجهاء الأهلين، فقال لهم الباشا: دعوا الأشراف يجمعون على واحد منهم يتولى شرافة البلاد، فقالوا له: كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يتفقوا على واحد وكل فرد منهم يطمع في هذا المنصب، والرأي الصواب هو أن يعود الشريف سعد، وهكذا كان، فقد دخل الشريف سعد إلى مكة وتولاها للمرة الثالثة، واستقرت الأمور فترة، ثم عاد الأشراف إلى فتنتهم السابقة، مطالبين برواتبهم مدعين بأن الشريف سعدًا قد حرمهم من ذلك، وساروا نحو الطائف يعيثون فيها فسادًا، فضاق بهم الشريف سعد ذرعًا، ثم استدعى رؤسائهم وأعطاهم ما يريدون، فهدأت الحالة بعد أن لقي الناس منها عناء كبيرًا».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع