«الطباخون تجسسوا عليهم وسفارات الأجانب آوتهم»: من طرائف الوزراء العثمانيين

السلطان عبد الحميد الثاني في قصر يلدز - إسطنبول

السلطان عبد الحميد الثاني في قصر يلدز - إسطنبول

كتب: خالد أبو هريرة

احتفالاً بانقلاب تركيا الفتاة على السلطان عبد الحميد الثاني في العام 1908، ألف الأديب اللبناني سليمان البستاني كتاب «الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده»، راصداً فيه مساوئ العهد الحميدي، التي كان من بينها تجسس السلطان على رجال دولته من الوزراء والصدور العظام، بكل الوسائل والطرق المبتكرة في زمنه.

 

عن التجسس على رجال الدولة في العصر الحميدي، يدور التقرير التالي..

في فاتحة كلامه، يؤكد البستاني أن الحكم الأوتوقراطي لعبد الحميد الثاني، كان سبباً في خسارته ذوي القدرات الممتازة من رجال الدولة. يقول: «لا ريب أن استبداد الحكومة الغابرة أزاح من وجهها صفوة خالصة من رجال الذكاء والغيرة والاستعداد، وإذا اضطرت إلى استخدام بعضهم ذرًّا للرماد في أعين الناس طرحتهم في إحدى زوايا الإهمال لا حول لهم ولا قوة، كما طرحت أكرم وسعيدًا (ممن تولوا مناصب الوزارة، والصدارة العظمى في العصر الحميدي) في زوايا مجلس الشورى حتى تسنى لها إبعاد سعيد إلى اليمن».

إضافة إلى هؤلاء الذين اكتووا بنار السلطان، وجدت فئة من أذكياء الرجال الذين رفضوا العمل في دولة عبد الحميد أصلاً. يقول البستاني: «هناك فئة أُخرى آثرت الاغتراب والفقر وواصلت الجهاد كرضا وصباح الدين وعبيد الله؛ فبُذلت لها الأموال فلم تطمعها، وغُررت بأعلى الرتب وأسمى الوظائف فلم تغتر، ولم تزل دائبة في سبيلها حتى قيض الله لها هذا الفوز المبين. ومن هذه الفئة الأخيرة زمرةٌ من خيرة النجباء أخذها العياء؛ فوقفت في منتصف الطريق، وبلغ منها الجزع مبلغ اليأس وخُدعت بالأماني والوعود، فسقطت في الأحبولة وعادت إلى الأستانة فحِيل بينها وبين أمانيها، وغُلَّتْ أيديها بحَبْل من مَسَد، كلطف الله ومراد».

يقص الأديب اللبناني بعد ذلك، طرائف الحكايات عن رجال الدولة الذين خضعوا للتجسس بأمر من السلطان. يقول أولاً: «ترى الجمَّ الغفيرَ من الناس ينحون باللائمة على جميع رجال الحكومة بلا استثناء، وهو خطأ فاحش؛ فإذا استقريت الأحول وتتبعت مجاري السياسة الداخلية تبين لك أن التبعة كل التبعة في هذا البلاء لا تتجاوز النزر اليسير منهم».

ثم يردف: «انظر أولًا إلى الجيوش التي كانت مُلتفَّة حولهم من جُند الجواسيس، ولا تظنن أنها كانت أخف وطأة عليهم منها على سائر الناس. بل إذا أمعنت النظر رأيت الحقيقة بخلاف الظاهر، وكلما صعد الواحد منهم في سلم الارتقاء زادت الرقابة عليه، ولا يستثنى من ذلك صدر أعظم ووزير خطير، ولا تُرعى حرمة شيخ إسلام وعالم كبير، بل كان صغار المأمورين أخف ضيمًا وأنعم بالًا إذ كان يُتاح لهم أن يزوروا ويُزاروا ويختلفوا إلى المجالس».

يتابع: «وأما أولئك فكانوا سجينين في بيوتهم، توجس منهم الخيفة إذا تجاوزوا الأبواب، وعليهم العيون مبثوثةٌ في المنازل والطرق، لا يعلمون أَنهُم واقفون لهم في الطريق، أم قاعدون بين جلسائهم وندمائهم في بيوتهم، أم جاثمون بين خَدَمهم في غرف نومهم ومطابخهم. لا يجسر الوزير أن يزور وزيرًا ولو كان حبيبًا له قبل الوزارة. يمعن الفكرة طويلًا قبل أن يفوه بكلمة؛ خوف أن تؤوَّل أو تُنقل. تأخذه الهواجس فلا يعلم مصيره مساء يومه، لا يعلم أيخرج عن منصة الأحكام إلى بيته فيلفي الجواسيس قد برزت من خفائها تحمل أوامر تفتيش غرف المكاتب والملابس والمطابخ والشرفات، أو الجنود قد حملت أمره ليُستنطق ويُهان أو صدرت الإرادة السنية بإيقافه إلى أجل غيرِ مُسمًّى. ولهذا كنت ترى معظم هؤلاء الأمراء الأرقاء على تحفُّز واستعداد حتى إذا خشوا الغدر بهم، تناولوا حقيبتهم المعدة لمثل هذا اليوم، وطلبوا مَلجأ يتقون به شر السعايات. ولا يزال خبر التجاء سعيد باشا الصدر السابق إلى السفارة الإنكليزية يرنُّ في الآذان».

وقد كان التجسس على موظفي الدولة الحميدية شاملاً، لم يستثن أحداً. يقول البستاني: «ثم إذا أَلْفَتَّ إلى زعماء الخفية أنفسهم رأيتهم تحت رقابة خفية أُخرى يُقال في وصفها مثل ما تقدم، وعلى هذه رقابةٌ أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية له، حتى تصل من أكبر كبير إلى أصغر صغير متسلسلة من ولي عهد السلطنة إلى أبناء الأُسرة المالكة، إلى الوزراء والعلماء، إلى المشيرين والضباط، إلى الولاة المتصرفين، حتى مُرتِّبي الحروف في المطابع ومُوزِّعي رسائل البريد والتلغراف.. ذلك كان نظام الخفية، ذلك الوباء المنتشر في البلاد انتشار الجراد، حشراتٌ آخذٌ بعضها بأذناب بعض، ولكم التفَّت تلك الأذناب على الرقاب فخنقت نفسها! وكم من جاسوس كبير قضي عليه بوشاية من جاسوس صغير! ولو كان العدل بالمساواة في شكل واحد من أشكال الحكم؛ لكانت الحكومة الغابرةُ أعدل الحكومات إذا لم تكن الخفية تضرب كشحًا عن أحد ظالمًا كان أو مظلومًا».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع