«باشوات سفاحين ومظالم بلا نهاية».. 70 عامًا من الفوضى العثمانية في مصر (1)

القاهرة

القاهرة

كتب: خالد أبو هريرة

بين أواخر القرن السادس عشر الميلادي، ومنتصف القرن الذي يليه، ونتيجة دخول العثمانيين في دور الانحطاط السياسي والعسكري، عاشت مصر -التي كانت في ذلك الوقت ولاية عثمانية- حالة واسعة من الفوضى، حيث تغير الباشوات الولاة في القاهرة بسرعة جنونية، وزادت المظالم إلى حد لا يطاق. في التقرير التالي، نرصد حكاية سبعين عاماً من الفوضى العثمانية في مصر.

افتتح هذا العهد بعزل الوالي العثماني مسيح باشا في العام 1580، وتعيين آخر يدعى حسن باشا الخادم، والذي وفقاً لما كتب المفكر السوري محمد سعد أطلس في كتابه (عصر الانحدار، تاريخ الأمة العربية)، كان: «سيئ الإدارة انصرف إلى جمع الأموال وقبول الرشى، ولما عُزل من القاهرة فرح الناس بذلك، وتولى مصر بعده إبراهيم باشا، وكان رجلًا عادلًا أقام موظفًا خاصًّا في مسجد السلطان فرج بن برقوق لاستماع شكاوى المظلومين من الباشا السابق، فاطلع على مظالم فظيعة لا تحصى، وكتب بذلك إلى السلطان فأمر بخنق حسن باشا، وأخذ إبراهيم باشا يطوف في أرجاء القطر ويتفقد أحوال الناس إلى أن كانت سنة 1584 فاستقال من منصبه».

بعد هذه الاستقالة توالى الباشوات العثمانيين على القاهرة «ولم يكن في أعمالهم شيء يذكر حتى تولى السلطنة محمد الثالث بن مراد ١٥٩٤–١٦٠٣م فبعث إلى مصر قورت باشا، وكان الناس يحبونه لحسن سيرته وكياسته وتنشيطه لأهل العلم والفضل، وخلَّف آثارًا جليلة في الجامع الأزهر والمشهد الحسيني. وفي سنة 1597 تولى مصر خضر باشا، وكان شديدًا عنيفًا أمر بقطع الجرايات عن العلماء، وحرم حقوق الكثيرين من الجند والانكشارية فثاروا عليه، وعُزل فتولى مصر بعده علي باشا السلاصدار، وكان جبارًا سفاحًا قتل من الأهالي عددًا كبيرًا، وأصاب البلاد في عهده قحط، وظل في ولايته حتى توفي السلطان محمد وخلفه ابنه أحمد الأول ١٦٠٣–١٦١٧م».

وفقاً لـ سعد أطلس، فإن السلطان أحمد الأول أرسل إلى مصر «إبراهيم باشا، وقد أراد منذ وصوله أن يقف أمام طلبات الجند والانكشارية فثاروا عليه، ووقعت في البلاد أثناء ذلك فتنة عظيمة انتهت بقتله وإقامة القاضي مصطفى أفندي واليًا، فلما علمت الأستانة بذلك بعثت محمد بك الكرجي الخادم واليًا على مصر، فلما وصلها شرع في التفتيش على مثيري الفتنة فقبض على نفر وقتلهم وسكن البلاد، ولم يلبث فترة حتى عُزل، وتوالت على مصر بعده عدة باشوات كان الواحد منهم لا يبقى في الولاية إلا شهرًا، وكانت البلاد لا تكاد تخلو كل سنة من فتنة أو ثورة يقوم بها الانكشارية أو الجنود أو بعض المتغلبين».

استمر هذا الوضع حتى ولي على مصر في العام 1607، باشا جديد هو «الوزير محمد باشا، وكان شريفًا حازمًا، فشرع منذ وصوله إلى القاهرة في تثبيت دعائم الحكم وإنصاف الرعية، وفي سنة 1608 ثار عليه الجنود والانكشارية؛ لأنه لم يوافقهم على إبقاء الضرائب الجائرة فأعلنوا عصيانهم، وولوا على البلاد واليًا منهم، ونادوا به سلطانًا، وساروا إلى الدلتا يعيثون فيها فسادًا، وسار إليهم محمد باشا في جمع من الجند، والتقى الطرفان، واستطاع الباشا أن يقضي عليهم فاستسلموا، ولما استتب الأمر قتل زعماءهم، وانصرف إلى إصلاح حال البلاد، ومراقبة جباة الضرائب بنفسه، والإشراف على أحوال الأسواق، ففرح الناس به كثيرًا، وعادت الطمأنينة إلى النفوس، وكان عهده على قِصَرِه عهد يمن وبركة، ولما نقل من ولاية القاهرة تسابق الناس إلى تكريمه وتقديم الهدايا إليه، وخلفه في سنة 1611 محمد باشا الصوفي وكان كذلك رجلًا صالحًا حازمًا، وفي سنة 1613 جاءه أمر من السلطان يطلب ألف جندي مصري؛ لينضموا إلى الجيش العثماني الذاهب إلى إيران فبعث بهم».

بعد فترة الاستقرار النسبية تلك، عادت مصر إلى المساوئ القديمة، نتيجة تزايد التراخي في القبضة المركزية للعثمانيين، الأمر الذي أثر بالسلب على طبيعة الباشوات الذين أرسلوا من قبلهم للقاهرة، وكانت النتيجة الكبرى لتلك الأحداث، تسرب السلطة في مصر ببطء من إسطنبول، ومبعوثيها، إلى النخب المملوكية في القاهرة، والتي كانت تتحين تلك الفرصة للانقضاض على البلاد من جديد.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع