«باشوات سفاحين ومظالم لا تنتهي»: سبعون عامًا من الفوضى العثمانية في مصر (2)

القاهرة

القاهرة

كتب: خالد أبو هريرة

بين عامي 1613 و 1623، توالى الباشوات الولاة على مصر دون توقف. وكان الواحد منهم لا يبقى في منصبه غير أشهر معدودات، ما فسر بغياب الاستقرار في المركز العثماني نفسه، حيث شهدت إسطنبول اضطرابات كثيفة، تقلب على إثرها على العرش، ثلاث سلاطين دفعة واحدة. يقول المفكر السوري محمد سعد أطلس في كتابه (عصر الانحدار، تاريخ الأمة العربية) عن ذلك: «توالت الولاة على مصر خلال سنوات عشر. وكان الوالي لا يلبث أكثر من أشهر قليلة، والسر في ذلك أن كرسي الخلافة قد تقلَّب عليه في هذه الفترة ثلاثة خلفاء هم: مصطفى الأول وعثمان الثاني ثم مصطفى الأول ثانية».

ثم في سنة ١٦٢٣، «تولى السلطنة مراد الرابع، وبعث إلى مصر علي باشا، وقبل وصوله إليها اجتمع الجنود، وساروا إلى القائمقام عيسى بك يطلبون إليه عطاءهم الذين يعطونه بمناسبة تعيين الولاة الجدد فانتهرهم القائمقام وقال لهم: أفي كل ثلاثة أشهر تجددون هذه الطلبات، فقالوا: وما المانع والسلطان يغيِّر كل ثلاثة أشهر واليًا؟! وإذا أراد أن يولي كل يوم واليًا فنحن نطلب عطاءنا، فحاول القائمقام صرفهم ولم ينجح، فقالوا له: إننا نصر على طلبنا إلا إذا بقي الوالي السابق مصطفى باشا، وكان الوالي الجديد قد وصل الإسكندرية فبعثوا إليه يبلغونه قرارهم، وأنهم لا يقبلونه إلا إذا دفع إليهم عطاءهم، فكتب إليهم الوالي يسترضيهم فلم يقبلوا، فثار عليهم وقبض على وفدهم وسجنهم في قلعة الإسكندرية، وعلم الجند في القاهرة بذلك فأعلنوا الثورة واضطروه على مغادرة الإسكندرية، وأنزلوه في قارب وأخرجوه من الميناء، ولما صار في عرض البحر أطلقوا عليه المدافع فغادر البلاد».

يتابع أطلس: «وبعد فترة وصلت رسالة من السلطان بتثبيت مصطفى باشا في الولاية، وفي هذه الفترة أصيبت البلاد بوباء هلك به خلق كثير، قيل: إن عددهم بلغ ثلاثمائة ألف نسمة، وكان مصطفى باشا ينصب نفسه وريثًا شرعيًّا على أموال الأغنياء من الموتى حتى ضاق الناس به، فاشتكوا إلى الباب العالي فعزله، وأرسل بيرام باشا ليحاكم مصطفى باشا على أعماله، وقدِم بيرام باشا ليحاكم مصطفى باشا وحكم عليه باستصفاء أمواله وإعادة المسروقات إلى أصحابها، وحُكم عليه بالموت، ولما استقرت الأمور لبيرام باشا شرع في زيارة الأقاليم والمديريات ومراقبة أحوالها ونشر العدل بين أهلها، وتعميم التعليم، وتنشيط التجارة، وإقامة المشروعات العامة المفيدة، وتنظيم الضرائب».

ولكن كالعادة، «عزل الوالي، وسُمِّي موسى باشا مكانه، فأساء السيرة، وأفسد أحوال البلاد، ولقي منه الناس شرورًا، وطلبوا من السلطان أن يبعده عنهم، فاستبدله في سنة بخليل باشا، وأخذت الولاة تترى على مصر، والنكبات والمظالم تتوالى عليها حتى تسلطن إبراهيم بن أحمد خان ١٦٤٠–١٦٤٨، فتفاءل الناس بالخير لما اشتهر عنه، ولكن شيئًا من ذلك لم يحصل؛ فقد كانت ولاته على نمط ولاة سابقيه من السلاطين عسفًا وتعدِّيًا».

كما زاد الوضع سوءًا «كثرة الأوبئة والطواعين التي لم يَخْلُ منها تاريخ مصر في تلك الآونة، وكان من أعظم تلك الطواعين طاعون سنتي 1643 و1644، فقد هلك فيهما آلاف مؤلفة حتى دفن الناس موتاهم بدون صلاة، ويقال: إن نحوًا من 230 قرية وبليدة خربت في ذلك الطاعون، كل هذا والولاة ساهون منصرفون إلى جمع الأموال واختلاسها. ويظهر أن الوالي مقصود باشا الذي تولى في سنة 1643 قد حاول إصلاح الأمور، ولكنه عُزل في العام التالي. وتردد على مصر نفر من الولاة أكثرهم ظالم مخرب أو جمَّاع أموال، حتى صار الوالي التركي لا همَّ له إلا اكتساب المال عن أي طريق كان، وتسليم النفوذ إلى البكوات المماليك، وذلك طوال عهد محمد الرابع ١٦٤٨–١٦٨٧، وعهد سليمان الثاني وأحمد الثاني ومصطفى الثاني ١٦٨٧–١٧٠٣، وعهد أحمد الثالث ١٧٠٣–١٧٣٠م».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع