«من القدس إلى العتبات المقدسة»: الأتراك والسياحة الدينية وغياب الأمن

القدس

القدس

كتب: خالد أبو هريرة

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، ونتيجة الكشوفات الأثرية من جهة ونمو الحركة الصهيونية من جهة أخرى، أصبحت السياحة الدينية والتاريخية أحد أبرز العوامل التي دفعت الأوروبيين إلى التوافد بكثافة على الشرق الأوسط، وزيارة أقطار الدولة العثمانية المختلفة.

ولكن نتيجة أن فكرة السياحة نفسها كمورد اقتصادي، كانت جديدة على العثمانيين، فإن السياح الأجانب من أوروبا، عانوا من غياب التنظيم وانعدام الأمن. ولذلك، ففي انعطافة القرن العشرين، كان الإصلاحيون من النخب العثمانية المثقفة، ينادون بضرورة اعتبار السياحة مصدرًا رئيسيًا للدخل، لا بد من تنظيمه والاستفادة منه في نهضة الإمبراطورية قدر الاستطاعة.

من هؤلاء كان الأديب اللبناني سليمان البستاني، الذي استغل كتابه الاحتفالي بانقلاب الشبان الأتراك على السلطان عبد الحميد الثاني في العام 1908، والمعنون بـ (الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده)، لنصيحة الحكام الجدد لإسطنبول بضرورة تفادي أخطاء السلطان المخلوع ضد السياح الأجانب. يقول: «لا يعجبن القارئُ اللبيبُ إذا عقدنا لهذا البحث بابًا خاصًّا من الكتاب، وإن كان لا يجوز حسبانه من مصادر الثروة الطبيعية، ولا سيما في بلاد لا يجد السائح الغريب فيها كل ما تتطلبه نفسُه من أسباب النزهة والراحة. فإننا الآن في إِبَّان نهضة يجب أن نتطلع من خلالها إلى كل وسيلة من وسائل العمران. والأموال التي ينفقها رُوَّاد البلاد ليست بالمبالغ التي لا يُعتد بها».

والبستاني يرى أن الأراضي العثمانية تمتلك من المقومات الطبيعية والتاريخية ما يجعلها في الزمن القريب، وحال التنظيم المحكم «نجعة الرواد، من كل طالب راحة وعافية وراغب في ترويض نظر وترويح نفس واستطلاع أثر ومن كل وَرِعٍ متعبِّد». وبمزيد من التفصيل، يقول عن المواقع السياحية العثمانية، خصوصاً الدينية منها: «إن لنا من اختلاف مواقعها وتاريخها ميزةً خاصة تجتذب السياح من كل فَجٍّ سحيق.. فإن فيها مواطنَ الأنبياء ومهابطَ الوحي، فهي — بهذا الاعتبار — محجة المسلمين والمسيحيين وبني إسرائيل من كل أقطار الأرض. وليس هذا بالشيء القليل وإن لاح قليلًا في الحالة الحاضرة، إذ لو نظرت إلى المعالم الدينية في أُوروبا وعلمت أن زُوَّار واحدة منها كسيدة لورد في فرنسا يربو على عدد جميع الزوار الذين ينتابون بيت المقدس من أبناء جميع الأديان؛ تحققتَ أننا لو أعددنا هنا من أسباب الراحة في الحِلِّ والترحال ما أَعدوا هنالك لكان للبلاد من وراء ذلك موردُ ثروة جديد».

في هذا السياق، لا ينسى الأديب اللبناني أن يشكر جهود السلطان عبد الحميد الثاني في تأسيس سكة حديد الحجاز، والتي «بعد انتهائها ومد فروعها إلى البحر الأحمر وانتظام شعبها إلى البحر المتوسط ستكون بقطع النظر عن سائر ما لها من الحسنات أعظم دعامة لهذا الركن المتين، وسيتضاعف بها عدد الحجاج عما قريب». ولكنه في الوقت نفسه، يرى أن غياب الأمن، وبعض العوامل السياسية، تبقى عثرة أمام أية تحولات إيجابية في السياحة الدينية. وهو يورد هذه المرة كمثال، الزيارات الضخمة من الشيعة الإيرانيين للعتبات المقدسة في العراق العثماني.

يقول البستاني: «لا يجب أن ننسى سائر مقامات الزيارة داخل البلاد كالنجف وكربلاء والكاظم في ولاية بغداد وما لها من الحرمة لدى المسلمين كافةً وأهل الشيعة منهم خاصةً، يتوافدون إليها مئات وألوفًا من إيران والهند مع كل ما يلقون من عنت الحكام وطمع المأمورين، وإن جميع أبناء بغداد وحكامها يعلمون أن هؤلاء الزوار من أعظم مروِّجات التجارة عندهم، يتشوفون إلى قُدُومهم تشوف الظمآن إلى الماء. كيف لا وهم يزيدون عن الخمسين ألفًا سنويًّا من إيران وحدها؟ ومع هذا فقد يُذيقهم الحكام من مرارة المعاملة ما يُلجئ الشاه في بعض السنين إلى منع رعاياه من الزيارة، فيشعر البغداديون بالكساد، ويبسطون يد الرجاء إلى حكامهم، فيأمرون ببسط الأمن، ويُبدون المجاملة؛ فيعود الزوار إلى زيارتهم مدة، ولكنهم لا يلبثون أن يروا من سوء المعاملة ما يضطرهم إلى الشكوى مرة أخرى.. فلو مُهِّدَتْ لهم السبل كما يُرجى أن تمهد الآن وضُرب على أيدي العُتاة من آمر ومأمور فالإقبالُ حينئذٍ عظيمٌ والفائدةُ مضمونة للفريقين».

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع