«صحن الشوربة».. راعي ثورات الانكشارية وقاتل سلاطين الدولة العثمانية

قدور الشوربة الخاصة بالانكشارية

قدور الشوربة الخاصة بالانكشارية

كتب: خالد أبو هريرة

بسبب قناعاتهم الصوفية المتينة، وارتباطهم بالطريقة البكتاشية، إحدى طرق التصوف العثماني الرئيسية، كانت لدى الانكشارية، الفرقة العسكرية الأشهر في تاريخ الدولة العثمانية، مجموعة من الرموز المقدسة التي كانت تشير إلى وحدتهم، أو تعمل كمحفز لهم على التمرد والثورة.

واحدة من تلك الرموز كانت «قدور الشوربة»، الوجبة الرئيسية للانكشارية، التي حملت مدلولات رمزية عميقة لديهم، وظل ظهورها أكيداً في كل تحركاتهم ضد السلالة العثمانية. وكانت تلك التحركات خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر متكررة وكثيفة، حتى أن البعض من السلاطين العثمانيين أنفسهم، سقط فيها صريعاً.

 

عن رمزية الشوربة في التاريخ الانكشاري، يدور التقرير التالي...

يقول المؤرخ والأديب اللبناني الشهير، جرجي زيدان في كتابه (تاريخ مصر العثمانية) عن أولية الانكشارية: «أُنْشِئَ هذا الجند في زمن السلطان أورخان ثاني سلاطين آل عثمان على يد قره خليل أحد كبار رجال الدولة، ونظر في تنظيمه إلى خُلُوِّهِ من عصبية تبعث على التمرد. وكان العثمانيون يومئذٍ يفتحون البلاد وأكثر أهلها مسيحيون فيدخل في حوزتهم جماعة من غلمان النصارى الذين قُتِلَ آباؤهم وأصبحوا لا نصير لهم ولا مرجع لآمالهم. فارتأى أن يربي أولئك الغلمان تربية إسلامية، ويدربهم على الفنون الحربية ويجعلهم جندًا دائمًا لا يخشى منه التمرد؛ لأنه لا يعرف عصبية غير الدولة ولا عملًا غير الجندية ولا دينًا غير الإسلام. فجنَّدهم وسار بهم إلى الحاج بكطاش شيخ طريقة البكطاشية بأماسية ليدعو لهم. فدعا لهم وسماهم (يكي چري) أي الجند الجديد».

وعن التنظيم الداخلي للانكشارية يقول زيدان: «قسم هذا الجند إلى وجاقات واحدها وجاق، والوجاق يُقَسَّمُ إلى أورط إحداها أورطة، ولكل أورطة عدد تعرف به ولبعضها أسماء خاصة. ويختلف عدد الجند في كل أورطة حسب العصور من 100 إلى 500، ويختلف عدد الأورط في الوجاق وعدد الوجاقات بمقتضى ذلك. وأكبر ضباط الوجاق أو قائدها الأكبر يسمى (آغا) تحته سكبان باشي تحته غيره فغيره».

منذ بدأت القوة العثمانية في الذبول عقب وفاة السلطان سليمان القانوني، بدأ التمرد يدب في صفوف الانكشارية. وكان تأخر المكافآت التي يحصل عليها هؤلاء عند تنصيب كل سلطان جديد، وتعرف باسم «بخشيش (بقشيش) الجلوس»، أحد أبرز الأسباب المؤدية لاندلاع تلك التمردات. حتى أنه عند تنصيب السلطان سليم الثاني خلفاً لسليمان القانوني، أعلن الانكشارية منعهم السلطان الجديد من دخول العاصمة إسطنبول قبل دفع البقشيش.

يقول جرجي زيدان: «كان للانكشارية رواتب يسمونها العلوفة تدفع يوميًّا باعتبار درهم واحد لكل انكشاري، ثم ارتفعت إلى خمسة دراهم غير الهدايا التي كانوا ينالونها في الأعياد وعند تولية السلاطين، ويسمونها (بخشيش الجلوس) وغير ما يصرف لهم من الأطعمة كاللحم والخبز أو القمح».

أما قدور الشوربة فيقول المؤرخ اللبناني: «يمتاز الانكشارية بعادات خاصة في طعامهم وأهم أصنافه الشورباء؛ فقد كانت تُصنع في حلل خاصة تُرسَل إلى الأجناد في قدور كبيرة يحملونها معلَّقة بأعواد مستعرضة.. ويحمل الحلة اثنان من الجند يقال لهما (قراقول أقجي) يتقدمهما ضابط اسمه باش قراقول أقجي يحمل على كتفه ملعقة كبيرة من الحديد. فيمر بالأماكن التي فيها عساكر من أورطتهم وهم في انتظار وصولهم، فيحطون القدر على الأرض ويغرفون منها بالملعقة لمن يأتي بطبقة على قدر حاجته».

وعن القيمة الرمزية للشوربة عند الانكشارية، يقول زيدان: «للطعام شأن كبير عند الانكشارية، وفي مطبخ كل أورطة قِدر كبيرة هي مثال لقدر يحترمونها؛ اعتمادًا على حديث يتناقلونه بينهم عن الحاج بكتاش صاحب الطريقة البكتاشية التي ينتسب إليها الانكشارية أنه طبخ الحساء فيها، ويعتقدون أنهم إذا نقلوا هذه القدر من مكانها وصبوا هناك ماء زُلْزِلَتِ الأرض. وكانت هذه القدور ملجأ للمجرمين فمن أتى إليها وجب على الانكشارية حمايته والدفاع عنه، كما كان يفعل العرب في حماية من يستجير بهم. وفي الحوادث الكبيرة التي تتفق لهم كقيامهم بثورة أو مفاوضتهم في أمر يهمهم يجتمعون حول هذه القدر للمفاوضة بجانبها تبرُّكًا بها».

يذكر أن الثورات الدامية التي أعلنها الانكشارية من أمام قدر الشوربة، انتهت في كثير من الأحيان بقتل السلطان العثماني نفسه، مثل السلطان عثمان الثاني الذي قتل في العام 1622، والسلطان إبراهيم الذي خنقه الانكشارية في العام 1648، وكذلك السلطان سليم الثالث في العام 1807، وكان هذا الأخير قد أبدى رغبته في إصلاح الجيش العثماني، ما اعتبره الانكشارية ضرراً مباشراً لمصالحهم.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع