«الحكم على الطريقة العثمانية»: فتنة بين الطوائف ووقيعة بين الأعراق

الثورة اليونانية ضد العثمانيين

الثورة اليونانية ضد العثمانيين

كتب: خالد أبو هريرة

عندما تنامت مشاعر القومية لدى العرقيات التي تكونت منها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، كان الحل الذي لجأ إليه العثمانيون هو الوقيعة وإثارة الفتن بين تلك العرقيات وبعضها البعض، أملاً في أن تبقى الإمبراطورية - والتي بدأت الرغبة في الاستقلال عنها تتزايد - هي الحكم بين المتخاصمين. وقد كانت النتيجة الكبيرة لتلك السياسة العثمانية، إلى جانب التدخلات القاتلة من جانب القوى الأوروبية، سبباً في وقوع المذابح التي هلك فيها الآلاف في مساحة جغرافية واسعة تبدأ من بيروت ودمشق قرى شرق الأناضول، ولا تنتهي إلا في شبه جزيرة البلقان.

عن سياسة الفتن الطائفية والعرقية في العصر العثماني الأخير، يقول المفكر السوري الشهير محمد كرد علي في كتابه (الإسلام والحضارة العربية): «لم ترَ الدولة في سياستها الداخلية أسهل من إلقاء الفتنة بين العناصر غير التركية على الدوام، تضرب العربي بالتركي، والأرمني بالكردي، والصربي بالأرناؤدي، والرومي بالكاثوليكي، والمسلم بالنصراني، والفرق الإسلامية المختلفة بأهل السنة، فكانت حروبها الداخلية أيام ضعفها حروب عناصر وشغب بين أبناء الوطن الواحد، وحروبها الخارجية مع دول قوية كالنمسا وروسيا والبندقية، وتروج سياسة التفرقة أيام الأزمات السياسية، ويتجاهر أهل الدولة في الدعاية إليها، وتحريك العرق الحساس في الغوغاء من الناس».

ثم يورد كرد علي نماذج من تلك الفتن التي بلا نهاية، ويبدأ من الثورة اليونانية في عشرينيات القرن التاسع عشر، والتي كادت أن تتسبب في فناء المسيحيين الأرثوذكس ببلاد الشام، لولا تدخل العقلاء من المسلمين ورفضهم تنفيذ الأمر العثماني بذبح رفاقهم في البلاد. يقول: «أرادت الدولة يوم ثورة المورة أن تنتقم من الروم في مملكتها؛ لأن أبناء دينهم في الأرض الأوربية هبوا يطالبون باستقلالهم، فأوعزت إلى والي دمشق أن يقتل المسلمون جميع نصارى الشام من طائفة الروم الأرثوذكس، فاستشار الوالي أعيان دمشق، فأشاروا عليه أن يكتب إلى العاصمة أن ليس في البلاد خائن، وأنَّ النصارى عبيد السلطنة يؤدون الجزية، وبذلك نجا نحو خمسين ألفًا من القتل».

يبقى المؤرخ السوري في بلاد الشام، ويشير إلى الفتنة التي رعاها العثمانيون، نافخين فيها النار في منتصف القرن التاسع عشر. يقول: «لما أرادت الدولة أن توطد حكمها في الشام أثارت الدروز على النصارى في لبنان، وأهاجت غوغاء المسلمين والدروز على نصارى دمشق وما إليها، وتدخلت الدول في الأمر فحكمت المحكمة العسكرية على بضع مئاتٍ من المسلمين بالقتل والنفي وغرمت الأهلين غرامات فاحشة، وما عاقبت الدروز على أعمالهم في الثورة الأهلية لحماية إنجلترا لهم».

يتخذ كرد علي من تصرفات الدولة العثمانية تجاه العرقيات والأقليات الدينية والسفراء الأجانب، بل وحتى تجاه موظفيها أنفسهم، دليلاً حاسماً على أن الإبقاء على التعصب الدائم بين المختلفين في العرق أو الدين أو المذهب كان هدفاً كبيراً للعثمانيين. يقول: «كان من تخالف الرعايا في المذهب، وتباينهم في الأخذ بحظٍ من المدنية، سلسلة من المصائب لا تنتهي إلى حد، وفي ألفاظ التحقير والملق التي كانت تطلقها الدولة في بعض رسائلها الرسمية على غير المسلمين، وفي ألقاب العبودية العجيبة التي تلقب بها موظفيها، وتطلقها على سفراء الدول حتى القرن السابع عشر؛ في كل هذا دليل على ذاك الروح الذي تريد الدولة بثه في الناس، وهو روح التعصب والتقزز من كل مخالف».

يتابع: «ومثل هذه السياسة العوجاء يُكتب لها النفاق كثيرًا في بلادٍ ضمت أرجاؤها عشرين نحلة ومذهبًا، وأهلها متأخرون في سلم المدنية، وما كان للعقلاء سلطان على أحد لوضع حد لهذا التهور، مخافة ألا تقع نصائحهم موقع الرضا من نفوس السياسيين، ولولا أن حض الإسلام على حماية أهل الذمة، ووصى بهم أحسن توصية، لاضمحل غير المسلمين في كل بلد كانت كثرته الغامرة منهم، ورأينا الغرم في كل فتنة أهلية على السكان، والغنم للدولة على الأكثر».

بل إن هذه السياسة حتى جرت الويلات على المسلمين من رعايا الدولة العثمانية في مناطق ذات كثافات مسيحية مثل البلقان. يقول كرد علي: «وفيما عامل به النصارى في البلقان جمهور المسلمين، لما كانت تكتب لهم الغلبة على الدولة، من ضروب الإفناء، وهتك الأعراض وتدمير العروض، برهانٌ جلي على ما كانت تكنه صدور النصارى من الأحقاد على المسلمين؛ بسبب أولئك العمال الذين كانوا يصدعون بأمر ساسة الآستانة، لا يقاد جذوة التعصب بين الطوائف».

ومقابل الطوائف المسيحية، أرثوذكسية كانت أم كاثوليكية، والتي تمتعت بحماية أوروبا، ومنحت لها الامتيازات الأجنبية القدرة على النمو رغماً عن أنوف العثمانيين، فإن المسلمين ظلوا على حالهم من الضعف والتأخر، ب والحرمان من أبسط حقوقهم لصالح الأجانب وأتباعهم من المسيحيين الشرقيين «ولا سيما العرب المسلمين، كانوا أشبه بالمنومين أو المخدرين باسم الدين، كأنه لا جناح على الدولة أن تظلمهم؛ لأنهم عبيدها، وكان علماء بغداد لما وافاها التتر أفتوا أنَّ الدولة الكافرة العادلة خير من الدولة المسلمة الظالمة، كانت الدولة في أيام عزها إذا أتاها أحد سفراء الأجانب أيًّا كان يحمل إلى السلطان وإلى وزرائه الهدايا الفاخرة، فلما تراجع أمرها أخذت هي تلطف لأكثر وكلاء الدول وتهاديهم وتتاحفهم، وتتساهل معهم ومع رعاياهم، حتى لقد اعترف ريتشارد وود الإنجليزي أنَّ الكنائس كثر عددها جدًّا في بلاد السلطنة، خصوصًا ما كان منها للأجانب، وبرهن على تساهل الدولة العثمانية بإعفائها كل ما يرد إلى بلادها برسم الكنائس والأديار والمستشفيات وغيرها من الضريبة الجمركية، سواءً كان أثاثًا أو لباسًا أو كتبًا أو آلات أو طعامًا أو غيرها. قال وهذا الأمر لا نعلم أنه يوجد في بلادٍ أخرى، وفي الامتيازات الأجنبية من البلاء وغمط حقوق الوطنيين والإغضاء عن ريع الدولة ما لا ينكره عاقل».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع