«الانكشارية» تحتل الحرم النبوي: أطلقوا الرصاص على الأهالي من فوق المآذن

المسجد النبوي في العصر العثماني

المسجد النبوي في العصر العثماني

كتب: خالد أبو هريرة

في مقتبل القرن الثامن عشر الميلادي، كان العثمانيون قد فقدوا السيطرة على الانكشارية بصورة شبه كاملة، حتى تحولت الفرقة العسكرية الأشهر في التاريخ العثماني، من فئة مهمتها حماية السلالة الحاكمة، إلى السبب الرئيس في شقاء تلك الأخيرة.

تتعدد مظاهر الفساد والفوضى التي عاشتها الأقاليم العثمانية -خصوصاً العربية منها- بسبب الانكشارية في القرن الثامن عشر. ومن بين تلك الأقاليم بالطبع كان الحجاز، الذي علمت مدنه الرئيسة المقدسة: مكة المكرمة والمدينة المنورة صراعات حادة على السلطة بين الأشراف، إضافة إلى تعديات لا محدودة من الانكشارية على الأنفس والأموال، تسببت في انحطاط البلاد وانعدام الأمن فيها.

يقدم لنا المؤرخ السوري محمد سعد أطلس في كتابه (عصر الانحدار، تاريخ الأمة العربية) أحد فصول الصراع بين الأشراف على السلطة في مكة فيقول: «في سنة 1704، رجع الشريف عبد الكريم إلى مكة ومعه عساكر مصر وعساكر الوزير سليمان باشا، ولما وصلوا المسجد الحرام، وفتحت الكعبة، وجدوا القاضي والمفتي والأعيان وأهل المناصب في محلهم على العادة المألوفة، ولما استقر الشريف في مكانه قدموا إليه الكسوة السلطانية وهي مكونة من قفطان -أي جبَّة بالسمُّور والفرو- ثم أخذ ينعم على الحاضرين بالكسى والقفاطين والتشاريف، وقرئ الأمر السلطاني بتسمية الشريف عبد الكريم، وهذه هي المرة الثالثة التي يتولى فيها».

يتابع: «ولما تمت المراسيم جمع الأشراف وسليمان باشا وشيخ الحرم والقاضي والمفتي وكبار المفتين والعلماء وآغوات العساكر والأعيان، وقال لهم فيما قال: قد شاهدتم ما وقع من التعب والشقاق حتى آل الأمر إلى الحرب، وتعبنا نحن والرعايا، وعمت الفتن، وأصيب فيها الغني والفقير، وذهب بسببها الأموال والرجال، والموجب لهذا كله زيادة المعالم الخارجة عن المعتاد التي عجز عن تحصيلها العباد والبلاد، فكل ملك يتولى، يحصل بينكم وبينه التعب والمشقة بسبب المعلوم، فالقصد منكم أن تنظروا في مدخول البلاد، وتوزعوه أرباعًا؛ فثلاثة أرباع تكون بينكم، والربع لي ولجماعتي وعسكري ومهمات البلد، فرضي الجميع بما قاله، وسجل القاضي كلامه في حجة شرعية، وتم الصلح وانصرف الجميع إلى أعمالهم».

هذه البدايات الطيبة لم تلبث أن أفسدتها عودة الطامعين في شرافة مكة إلى الثورة من جديد. يقول أطلس: «ولم تمضِ فترة حتى وردت الأنباء بأن الشريف سعيدًا قد جمع جموعًا من البدو والمماليك يريد بهم مكة، فاستعد له الشريف عبد الكريم، والتقى الجمعان، فتفرق جماعة الشريف سعيد، ورجع الشريف عبد الكريم إلى مكة، وبعث بعض جنده للحاق بالشريف سعيد الذي فر إلى الطائف، فردهم ووطد أمره في الطائف، وجمع جمعًا أراد به الزحف إلى مكة، وعلم بذلك الشريف عبد الكريم فعاجله وشتت جموعه واستولى على الطائف، ولكن سعيدًا تمكن من أن يستعيدها بعد أن غادرها عبد الكريم، فلم يبقَ فيها إلا مدة فرض فيها على أهلها بعض المال فأخذه وهرب، وفي سنة 1707 انضم إليه بعض الأشراف الذين غضبوا من الشريف عبد الكريم، وعزم على الاستيلاء على مكة فردهم الشريف عبد الكريم».

هذه السجالات غير الحاسمة انتهت أخيراً في سنة 1710، عندما جمع الشريف سعيد «جموعه واتجه نحو مكة فدخلها، ووردت الرسل بأن السلطان العثماني قد أنعم عليه بالشرافة فخرج عبد الكريم إلى مصر، أما سعيد فإنه شرع بعد دخوله إلى مكة في توطيد أركانه وإصلاح ما فسد، وسار بالناس سيرة حسنة كأنه يريد التكفير عن سيئاته، وظل على ذلك إلى أن مات في سنة 1717، فتولى الأمر من بعده ابنه عبد الله، وسار بالناس في مبدأ أمره أحسن سيرة، ثم ما لبث أن عدل عن النهج القويم، وأفسد البلاد، فتجمع الناس، ونادوا بعزله وتولية أخيه علي في فجر عام 1718 وكتبوا بذلك إلى السلطان العثماني فوافقهم وهدأت الحالة، ولكنها ما لبثت أن اضطربت للخلاف الذي نشب بين الشريف علي وسائر الأشراف الذين خرجوا من مكة مغاضبين لقطع معاليمهم وعوائدهم المقررة، فلما قدم الحجيج الشامي وأميرهم الوزير الحاج رجب باشا شكوا إليه أمرهم، وأنهم يريدون عزل علي وتولية الشريف يحيى بن بركات، فلما طلبهم وعهد بالأمر إلى الشريف يحيى».

وصف الشريف يحيى بالحزم وقوة الشخصية، ولكنه ذلك لم يسلمه هو الآخر من الثائرين من طائفته، إذ انكسر أمام الشريف مبارك بن أحمد، وفي عهد هذا الأخير، وقع خلاف حاد بين الانكشارية وأهالي المدينة المنورة في سنة 1721، انتهى باشتعال حرب أهلية بين الجانبين في شوارع المدينة وحول حرمها النبوي نفسه. وفقاً لـ محمد سعد أطلس: «وقعت الفتنة الكبرى بين آغوات الحرم المدني وبين أهل المدينة حتى تحصن الآغوات في المسجد، وأخذوا يطلقون النار على الأهلين من المنائر فتعطلت الصلاة، وقُتل من الأهلين جماعات إلى أن عزل الشريف مبارك وتولى الشريف يحيى للمرة الثانية، ولم يلبث في شرافته هذه إلا مدة حتى تنازل عنها لولده الشريف بركات في سنة 1722، فغضب الأشراف من هذا التصرف وأعلنوا عصيانهم، وذهبوا إلى الشريف مبارك، وانضموا إليه، وحرضوه على إعلان الثورة، فعزم الشريف بركات على تأديبهم وخرج هو وإسماعيل باشا أمير جدة للقائهم والتقى الجمعان في المحرم سنة 1136 ﻫ، فانهزم الشريف بركات وجماعته، وانتصر الشريف مبارك، ولقيت البلاد بلاء عظيمًا من هذه المحنة، وغلت أسعارها».

أمام هذه الفوضى العارمة، حيث لا أمان لأحد على نفسه وأهله وماله، «ثارت العامة على الشريف مبارك طالبة إليه أن يترك منصبه، فخرج من مكة وتولاها الشريف عبد الله للمرة الثانية، فأساء السيرة وظلم الرعية، وفرض على التجار من سكان مكة وجدة والطائف والواردين من جميع الأقطار أموالًا جسيمة وضرائب باهظة، وقاسى الناس منه ومن الأشراف ويلات». وهذه الويلات لم تتوقف تقريباً بقية القرن، ولن تنهيها سوى عودة الحجاز برمته إلى بؤرة الصراعات الإقليمية الكبرى بظهور الحركة الوهابية وتهديدها بعزل البلاد عن سيطرة العثمانيين.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع