«خزنة مصر»: خيرات المحروسة في بطن السلطان العثماني

القاهرة

القاهرة

كتب: خالد أبو هريرة

بعد الغزو العثماني لمصر سنة 1517، أُعلنت المحروسة سريعًا الولاية الأغنى في الإمبراطورية التركية، كما أصبحت الإتاوة الضخمة التي تدفعها القاهرة سنويًا للعاصمة العثمانية إسطنبول، تنقل من مصر إلى تركيا عبر بلاد الشام، في احتفال مهيب عرف باسم الخزانة المصرية، عن خزنة مصر التي ظلت مصدرًا رئيسيًا لثروة العثمانيين حتى القرن الثامن عشر الميلادي، يدور هذا التقرير.

كان السلطان سليمان القانوني، أول من نظم احتفال الخزانة المصرية، ضمن عدة تشريعات وتنظيمات مكّن بها دولته من فرض مركزيتها فوق القاهرة، يقول الأمير عمر طوسون، عن هذا الاحتفال في كتابه (مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآن): «قرَّر هذا السلطان أن يقوم واحد من الأربعة والعشرين بيكًا (جمع بك وهو يماثل المحافظ اليوم) بإحضار إتاوة مصر إلى مقر الخلافة، وأن يُلقَّب هذا البيك بأمير الخزنة، وأن يُوضَع تحت تصرُّفِه للمحافظة عليها سردار وشرذمة من الجند تُنتخَب من فِرَق الجيش السبع».

يتابع طوسون: «ومتى تم تحصيل الأموال يتوجه الروزنامجي إلى الباشا ومعه مبالغ الخزنة، وفي اليوم المقرَّر لتسليمها إلى أمير الخزنة يجتمع في القلعة رؤساء الوجاقات (الفرق العسكرية) والبكوات والقاضي وجميع كبار موظفي الحكومة، فيُعاين الصراف وهو كاتب الخزنة عدد النقود ونوعها، وشاغل هذه الوظيفة يكون إسرائيليًّا (يهوديًا) دائمًا، وبعد أن يُوقِّع الباشا والروزنامجي على الأوراق المبينة بها النقود تُوضَع في صناديق مغطاة بالجلد، ثم يسلِّمها الباشا إلى أمير الخزنة، فيُعطيه مستندًا بها».

يتلو ذلك «وضع الصناديق على ظهور الإبل المُعَدَّة لحملها، ويخلع الباشا على أمير الخزنة حلة من الفراء الأسود فاخرة، وعلى الروزنامجي (أحد كبار موظفي الإدارة المالية) كذلك خلعة من الفراء الأسود إلا أنها أقل قيمة من تلك، ثم يوزع القفاطين على السردار المكلَّف بقيادة الحرس، ويجتمع البكوات والوجاقات عند سفر أمير الخزنة، ويحيطون به في موكب فخم أثناء مروره بالقاهرة، ويرافقونه إلى العادلية، وهي مكان بين القبة وبركة الحج، ويعلن من ليلة يوم سفره عن هذا الاحتفال بواسطة الألعاب النارية في العادلية، وكذلك بتواتر إطلاق المدافع حتى وقت السفر، ويسير أمير الخزنة إلى القسطنطينية مارًّا بدمشق».

يختتم الأمير عمر طوسون، كلامه عن احتفال الخزانة المصرية بقوله: «وقد وجه السلطان سليمان نظره إلى جميع التفصيلات الخاصة بسفر الخزنة، حتى إنه عيَّن ما يجب صرفه في نقلها وابتياع ما يلزمها من الصناديق والأكياس والجلود والسجاجيد لتغطيتها».

إذا كانت تلك هي تفاصيل الاحتفال، فمن الضروري الآن التعرف على طبيعة الإتاوة التي ضمتها الخزانة المصرية، ينقل الأمير عمر طوسون عن ماييه، القنصل الفرنسي في مصر، خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي قوله: «يحكم مصر اليوم موظف برتبة باشا مبعوث من قِبَل السلطان، ويُعيَّن هذا الباشا لمدة لا تزيد عن عام، ومع ذلك فقد جرت العادة أن يستمر الولاة في وظائفهم ثلاثة أعوام، بل أربعة، كما أنه يوجد منهم مَن بقي عامًا أو عامين فقط».

يتابع ماييه: «وهذه الولاية (مصر) هي أضخم ولايات الإمبراطورية العثمانية؛ ولذلك لا تُنال إلا بدفع مبالغ طائلة، ولا بد للوالي الذي يُعيَّن لمصر أن يكون مستعدًّا لبذل نفقة (رشوة) من أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف ريال قبل أن يصل إلى القاهرة المقر المعتاد لسكنه، وأن يُقدِّم فوق ذلك هدايا تزيد قيمتها على مائة ألف ريال عن كل سنة يمكثها في وظيفته».

وعن الإتاوة المصرية يفاجئنا القنصل الفرنسي بأنها تنوعت بين مبالغ مالية ضخمة، وإمدادات تموينية لصالح قصر السلطان العثماني، يقول ماييه: «وأعباء مصر كانت كذلك باهظة جدًّا، فالوالي كان مكلَّفًا بأن يرسل إلى السلطان ستمائة ألف ريال في كل سنة، وكانت هذه النقود التي يسمونها الخزنة تُرسَل إلى القسطنطينية برًّا بمصروفات جسيمة على نفقة الوالي، وكان عليه أيضًا أن يُرسِل إلى السراي في كل سنة مقدارًا من السكر والبن والشراب والأرز، وسلعًا أخرى كثيرة لا تقل قيمتها التي كانت تدفع دوامًا نقدًا عن ستمائة ألف ريال، هذا غير نفقات المحمل الذي كان يوجِّهه الخليفة إلى مكة كل عام، ومائة ألف ريال يُرسِلها إلى هذه المدينة ومثلها إلى دمشق؛ لتُنفَق على القافلة التي ترافق المحمل إلى بلاد العرب».

كيف كان الباشا والي مصر يلبي كل تلك المطالب العثمانية؟!

يجيبنا ماييه قائلًا: «لإيفاء هذه المطالب كلها ودَفْع مرتبات الجيوش التي ترابط في مصر من قِبَل الباب العالي، يستولي الوالي على كافة أنواع الإيرادات، وهي إيرادات ضخمة جدًّا قد تبلغ قيمتها إذا روعيت طرق الاقتصاد أكثر من اثني عشر مليونًا، غير ما يُنفَق على الجيوش، ومن هنا يُفهَم بسهولة أن مصر تدرُّ على الوالي من الدخل أكثر مما تدرُّ على السلطان، وبالأخص إذا داهم القطر الطاعون، فإنه عند ذلك تجمع الحكومة مبالغ طائلة في مدى الثلاثة أو الأربعة الأشهر التي اعتاد الوباء أن يمكثها في وادي النيل، فقد يبلغ دخله في يوم واحد من مائتَيْ ألف إلى ثلاثمائة ألف ريال بسبب وفاة أشخاص يمتلكون قرى؛ لأن قوانين الحكومة تقضي برجوع ملكية هذه القرى إلى الخليفة بعد وفاة أصحابها، فيتذرع الوالي بهذا القانون للاستيلاء عليها لنفسه، ويستدرُّ منها أموالًا عظيمة. وقد يحدث في أسابيع أن تُباع العين الواحدة ثلاث مرات بل أربعًا، بسبب معاجلة الموت لمَن يبتاعونها الواحد تِلْو الآخَر».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع