«وصية بطرس الأكبر»: الخطة الروسية الكبرى لتحطيم تركيا (2)

بطرس الأكبر

بطرس الأكبر

كتب: خالد ابو هريرة

نتابع مع وصية القيصر الروسي بطرس الأكبر (1682 - 1725)، والتي غدت مخططًا استراتيجيًا لروسيا القيصرية طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين.

وهذه المرة، يتكاثف ظهور العثمانيين الأتراك في بنود الوصية من البند الثامن حتى البند الرابع عشر، بما أن القيصر أظهر خلالها رغبته في تدمير الدولة العثمانية والاستيلاء على أملاكها في الشرق، عبر خطة محكمة يضرب فيها الحصار السياسي على الأتراك من نواحي شرق أوروبا والبحر الأسود، كما يخترق عالمهم عبر فرض الوصاية الروسية على المسيحيين الأرثوذكس في مناطق الشرق الأوسط.

تقول وصية بطرس الأكبر: «البند الثامن: على الروسيين أن ينتشروا يومًا فيومًا شمالًا في سواحل بحر البلطيق وجنوبًا في سواحل البحر الأسود».

«البند التاسع: ينبغي التقرُّب بقدر الإمكان من إسطنبول والهند، وحيث إنه من القضايا المسلمة أن من يحكم على استانبول يمكنه حقيقة أن يحكم على الدنيا بأسرها؛ فلذلك من اللازم إحداث المحاربات المتتابعة، تارة مع الدولة العثمانية وتارة مع الدولة الإيرانية، وينبغي ضبط البحر الأسود شيئًا فشيئًا؛ وذلك لأجل إنشاء دار صناعات بحرية فيه والاستيلاء على بحر البلطيق أيضًا؛ لأنه ألزم موقع لحصول المقصود وللتعجيل بضعف بل بزوال دولة إيران؛ لنتمكَّن من الوصول إلى خليج البصرة، وربما نتمكَّن من إعادة تجارة الممالك الشرقية القديمة إلى بلاد الشام والوصول منها إلى بلاد الهند التي هي بمثابة مخزن للدنيا، وبهذه الوسيلة نستغني عن ذهب إنكلترا».

«البند العاشر: ينبغي الاهتمام بالحصول على الاتفاق والاتحاد مع دولة النمسا والمحافظة على ذلك، ومن اللازم التظاهر بترويج أفكار الدولة المشار إليها من جهة ما تبتغي إجراءه من النفوذ في المستقبل في بلاد ألمانيا، وأما باطنًا فينبغي لنا أن نسعى في تحريك عروق حسد وعداوة سائر حكام ألمانيا لها، وتحريك كل منهم لطلب الاستعانة والاستمداد من دولة روسيا. ومن اللازم إجراء نوع حماية للدول المذكورة بصورة يتسنَّى لها فيها الحكم على تلك الدول في المستقبل».

«البند الحادي عشر: ينبغي تحريض العائلة المالكة في النمسا على طرد الأتراك وإبعادهم من قطعة الروملي، وحينما نستولي على استانبول علينا أن نسلط دول أوروبا القديمة على دولة أوستريا حربًا أو نسكن حسدها ومراقبتها لنا بإعطائها حصة صغيرة من الأماكن التي نكون قد أخذناها من قبل، وبعده نسعى بنزع هذه الحصة من يدها».

«البند الثاني عشر: ينبغي أن نستميل لجهتنا جميع المسيحيين الذين هم من مذهب الروم المنكرين رياسة البابا الروحية والمنتشرين في بلاد المجر والممالك العثمانية في جنوبي ممالك بولونيا ونجعلهم أن يتخذوا دولة روسيا مرجعًا ومعينًا لهم، ومن اللازم قبل كل شيء إحداث رياسة مذهبية؛ حتى نتمكَّن من إجراء نوع نفوذ وحكومة رهبانية عليهم، فنسعى بهذه الواسطة لاكتساب أصدقاء كثيرين ذوي غيرة نستعين بهم في ولاية كل من أعدائنا».

«البند الثالث عشر: حينما يصبح الإيرانيون مغلوبين والممالك العثمانية مضبوطة أيضًا حينئذٍ نجمع معسكراتنا في محل واحد مع المحافظة على البحر الأسود وبحر البلطيق بقوَّتنا البحرية، وعند ذلك نظهر أوَّلًا لدولة فرنسا كيفية مقاسمة حكومات الدنيا بأسرها بيننا، ثم لدولة النمسا، ويعرض ذلك على كل من الدولتين المشار إليهما كل منهما على حدة بصورة خفية جدًّا لقبول ذلك، وحيث إنه لا بدَّ من أن إحداهما تقبل بهذه الصورة، فعند ذلك ينبغي مداراة واحترام كل منهما، ونجعل من كان منهما قابلًا بما عرضناه عليهما واسطة لتنكيل الأخرى، وإذ تكون دولة روسيا حينئذٍ قد ضبطت جميع الممالك الشرقية، ويكون مثل ذلك أعظم قطع أوروبا حديثة الدخول في يد تصرفها، فعنده يسهل عليها أن تقهر وتنكل فيما بعد أية دولة بقيت في الميدان من الدولتين المذكورتين».

«البند الرابع عشر: على فرض المحال أن كلًّا من الدولتين المشار إليهما لم تقبل بما عرضته عليهما روسيا، فينبغي حينئذ لروسيا أن تصرف الأفكار لمراقبة ما يحدث من النزاع والخلاف بينهما؛ فإذا وقع ذلك فلا بد أن يحصل تعبٌ للطرفين ويشتبك هذا مع الآخر، وفي ذلك الوقت يجب على روسيا أن تنتظر الفرصة العظيمة وتسوق حالًا معسكراتها المجتمعة أوَّلًا بأوَّل على ألمانيا، فتهجم في تلك الجهات، ثم تخرج قسمين كليين من السفن؛ أحدهما من بحر آزاق المملوء بالعساكر الوافرة المجتمعة من أقوام الأناضول المتنوِّعة، والثاني من ليمان أرخانكل الكائنة في البحر المتجمِّد الشمالي، فتسير هذه السفن وتمرُّ في البحر الأبيض والبحر المحيط الشمالي مع الأسطول المرتب في البحر الأسود وبحر البلطيق، وتهجم كالسيل على سواحل فرنسا.. وأما ألمانيا فإنها تكون إذ ذاك مشغولة بحالها، وبما ذكرناه تصبح المملكتان الواسعتان المذكورتان مغلوبتين على هذه الصورة، فالقطعة التي تبقى من أوروبا تدخل بالطبع تحت الانقياد بسهولة وبدون محاربة، وتصير جميع قطعة أوروبا قابلة للفتح والتسخير».

اتبع خلفاء القيصر وصيته إلى حد بعيد، وبحلول الربع الأخير من القرن الثامن عشر، فازوا على العثمانيين فوزاً ساحقاً مكنهم من فرض إرادتهم على الأتراك في معاهدة كوتشوك قينارجه، والتي يمكن القول إنها أماتت الدولة العثمانية فعلياً، ولم تُبقي منها سوى ظل شبحي، صارت أوروبا تتلاعب به طوال القرن التاسع عشر، خوفاً من أن يؤدي إعلان سقوطها إلى اندلاع حرب عالمية. ولكن ما خشاه البريطانيون والفرنسيون وكذلك الروس طوال تلك السنوات وقع في الأخير، وكانت الحرب العالمية الأولى هي التي حسمت مصير العثمانيين بزوالهم إلى الأبد، مانحة الغالبية العظمى من ميراثهم إلى بريطانيا وفرنسا. أما روسيا، فلم تتمكن من تحقيق وصايا القيصر هذه المرة، وفرض عليها أن تظل شمال البحر الأسود تتربص بتركيا - وورائها الشرق الأوسط برمته - الدوائر.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع