مكيدة «أبي قير»: العثمانيون والبروفة الأخيرة لـ«مذبحة المماليك» (2)

الصدر الأعظم ضياء باشا

الصدر الأعظم ضياء باشا

كتب: خالد أبو هريرة

نتابع مع المخطط العثماني للتخلص من البكوات المماليك في مصر، عقب جلاء الحملة الفرنسية عن البلاد العام 1801، فننقل كلام المؤرخ المصري محمد فؤاد شكري في كتابه «مصر في مطلع القرن التاسع عشر»: «كان لدى يوسف ضيا والقبطان حسين باشا تعليمات محددة من الباب العالي لتغيير نظام الحكم القديم في مصر، بإنشاء أربع باشويات تحلُّ محلَّ سلطة البكوات المماليك حتى يتسنى إخضاع هذه البلاد لسلطان الدولة كسائر مقاطعاتها، وطلب الباب العالي إليهما إلقاء القبض على أكبر عدد مستطاع من البكوات، وإرسالهم إلى القسطنطينية على أساس أن يعطيهم الباب العالي من الأملاك هناك ما يعادل إيرادها ما كانوا يعيشون به في مصر، وخُيِّل إليه أن هذا الانقلاب سوف يحدث بسهولةٍ لاعتقاده أن معاهدة التحالف المبرمة بينه وبين الإنجليز (منذ ٥ يناير سنة ١٧٩٩) تجعل هؤلاء الأخيرين يقفون موقف الحياد من مشروعاته».

رغم ذلك، فإن كلاً من «الصدر الأعظم والقبطان باشا لم يستطيعا تنفيذ أوامر الباب العالي بشأن المماليك؛ لأن هؤلاء لقوا كل تأييد من جانب القُوَّاد الإنجليز في مصر، كما لم يكن من المنتظر إلى جانب هذا أن يوافِق الأهلون على حدوث الانقلاب المنشود، بسبب سخطهم على العثمانيين الذين اشتطُّوا في معاملتهم عند دخولهم القاهرة، واعتدى جنودهم على الأهلين وآذَوْهم في القاهرة والأقاليم حتى تمنَّى أكثر الناس على حد قول الجبرتي ـ وخصوصًا الفلاحين ـ أحكام الفرنساوية».

يتابع شكري: «وعلى ذلك فقد عمد الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا، تمهيدًا لإجراء التغيير الحكومي المطلوب، إلى أساليب الغدر والوقيعة بالمماليك، وبذر بذور الشقاق بينهم لتفريق كلمتهم قبل البطش بهم، فأعطى إمارة الصعيد؛ أي أقاليم الوجه القبلي، إلى محمد بك الألفي، وكانت هذه الأقاليم ملكًا مشاعًا بين البكوات حتى هذا الوقت، ويقتسم الإمارة عليها البكوات من بيت مراد، الذين اشتدت المنافسة بينهم وبين البكوات من بيت الألفي دائمًا، وفضلًا عن ذلك، فقد كان البكوات من مرادية أو ألفية متألمين من وقوع الصعيد في قبضة مراد بك وحده، منذ أن عقد معه الجنرال كليبر معاهدة أبريل سنة ١٨٠٠، التي أعطت مراد إمارة الصعيد وجعلته يتمتع وحده بإيرادات هذه الأقاليم القبلية، فساعد تعيين الألفي الآن لهذه الإمارة على زيادة الانقسام بين البكوات».

الخلاف الداخلي بين المماليك، سرعان ما استغله الصدر الأعظم والقبطان باشا «ليضربا ضربتهما الأخيرة، فدبَّر الصدر الأعظم مكيدته المعروفة في القاهرة في ٢٠ أكتوبر سنة ١٨٠١ (وفي رواية الجبرتي يومَ ١٩ أكتوبر)، بأنْ دعا إليه في منزله البكوات الموجودين بالقاهرة، وألقى القبض على «شيخ البلد» إبراهيم بك، ومرزوق بك، وتسعة من البكوات الآخرين، وأرسل على الفور طاهر باشا إلى الصعيد للقبض على محمد بك الألفي. وكان من المفهوم، كما جاء في تقرير القواد الإنجليز عن هذا الحادث، إلى اللورد إلجين بالقسطنطينية بعد وقوعه بيومين، أن يحذو القبطان باشا حذو الصدر الأعظم بالإسكندرية، ولكن مكيدة القبطان باشا تأخرتْ حتى يوم ٢٢ أكتوبر، وقد دعا القبطان باشا جماعة البكوات هناك لمقابلته، حتى يُبلغهم أمر الباب العالي بإلحاقهم بخدمة السلطان بالقسطنطينية، وضرورة ترحيل مَن لا يرضى منهم بهذه العروض عن مصر إلى أية جهةٍ يشاؤها».

يقول محمد فؤاد شكري: «وكان في أثناء نقل البكوات إلى إحدى سفن عمارته أنْ حدث الفتك بجماعة منهم؛ فقُتِل عثمان بك الطنبورجي (المرادي)، وعثمان بك الأشقر، ومراد بك الصغير، وإبراهيم كتخدا السناري، وصالح أغا، ومحمد بك، كما جُرِح كثيرون، واقتيد الجرحى إلى سفينة القبطان باشا؛ حيث أُرغِموا على القَسَم على ألَّا يذهبوا إلى الأجنبي، وحلف يمين الولاء للسلطان العثماني، وكان من بين هؤلاء عثمان البرديسي، واستعدَّ القبطان باشا لإرسالهم إلى القسطنطينية».

وبينما كان من المفترض أن يصبح ذلك الغدر مقدمة لإبادة المماليك، فإن تدخل الإنجليز واحتجاجهم الشديد لدى الباب العالي أوقف الخطة العثمانية الطموحة. يقول شكري: «ما ذاعتْ أخبار هاتين المكيدتين حتى أسرع القُوَّاد الإنجليز؛ هتشنسون في القاهرة والجنرال ستيوارت في الإسكندرية، بالتدخُّل لدى الصدر الأعظم والقبطان باشا لإطلاق سراح البكوات الأسرى، واحتجَّا احتجاجًا شديدًا على هذه المؤامرة، فأطلق سراح البكوات».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع