«المدارس والمنح للطلبة الأتراك فقط»: عن التعليم العربي في الزمن العثماني

الامدرسة العثمانية للصنائع - بيروت

الامدرسة العثمانية للصنائع - بيروت

كتب: خالد أبو هريرة

عندما أعيد افتتاح البرلمان العثماني عقب انقلاب تركيا الفتاة عام 1908، حصل النواب العرب على نحو خمسين مقعد أسفل قبته، واستغلوا وجودهم في المجلس النيابي لعرض مشكلات الأقطار العربية في ظل الحكم العثماني، وعلى رأسها التعليم الذي ظل تأخره بين الناطقين بلغة الضاد عائقاً يحول دون تقدمهم. وقد احتفظ لنا المؤرخ العروبي أسعد داغر في كتابه (ثورة العرب) بنص خطبة ألقاها النائب اللبناني سليم أفندي سلام في البرلمان العثماني بتاريخ 14 يوليو من العام 1914، يشكو فيها المظالم التي يتعرض لها العرب من قبل تركيا الفتاة في مجال التعليم، التي كان أبرزها تفضيل البلاد التركية على العربية من ناحية بناء المدارس، إضافة إلى محاباة الطلبة الأتراك على حساب نظرائهم العرب.

يقول أسعد داغر: «قال سليم أفندي سلام أحد مبعوثي بيروت، يصف حال المعارف في البلاد العربية في خطبة ألقاها في مجلس النواب أثناء المناقشة بميزانية المعارف: تكتفي وزارة المعارف بأن تقول عندي مدارس سلطانية (مدارس ثانوية) كذا ومدارس إعدادية كذا. ولكنها لا تفكر في حال هذه المدارس. خذوا أيها السادة مسألة تعيين المديرين والمعلمين والمعلمات مثالًا للتطبيق والكلام، إنها تعين لتدريس اللغة العربية الشريفة أناسًا ليست معارفهم بها بأكثر من معارف العوام، بل هي تعين مديرين تبرأ الإدارة إلى الله منهم، تحدث الوزارة وظيفة في المعارف، فتقلدها من تشاء بغير حساب؛ فتارة تتبع هواها وإرادتها، وتارة تمتحن، ولكن بلا قاعدة ولا أصول إلا الشفاعة والالتماس والانتساب إلى رجل كبير».

يتابع سليم أفندي، عاقداً المقارنة بين حال المدارس العثمانية ونظيرتها الأجنبية في بيروت: «كل هذه الأسباب جعلت مدارسنا الرسمية في الانحطاط الذي تعرفونه، هذه مدرستنا السلطانية في بيروت تأسست منذ 30 سنة، ولا يبلغ عدد طلابها مائتي طالب، في حين أن عدد الطلبة في الكلية الأميركية ألف ومائة طالب، وفي كلية اليسوعيين في بيروت سبعمائة طالب، وفي مدرسة الفرير سبعمائة أيضًا. ولعلكم تقولون إن الثقة بمدارس الأجانب هي التي سببت هذا الإقبال عليها، نعم إنها الثقة، ولكن الثقة لا تُكْتَسَبُ من غير جد وعمل، ولولا رغبة الأهلين في الانتظام بسلك الوظائف لما دخل أحد من أبنائنا مكاتب الدولة، وذلك ظاهر للعيان، أرأيتم حتى الآن متخرجًا من مدارس الحكومة يتعاطى التجارة أو الصناعة أو الزراعة، كلَّا ثم كلَّا، فإن جميع الذين يتعاطونها من خريجي المدارس الأجنبية أو الأهلية لا المدارس الرسمية».

ويعلق النائب البيروتي على ما سبق: «يحزنني أن أبلغكم أن مدارسنا الرسمية باتت معامل لصنع الموظفين مع أن المدارس لم تُنْشَأ إلا لكي تُخْرِجَ للوطن رجالًا يعيشون بكدهم وجدهم، رجالًا ينفعونه بثمرة عقولهم».

وعن مدارس البنات يقول سليم سلام: «تلك حال مدارس الصبيان في بلادنا العربية، أما مدارس البنات، فماذا أقول فيها؟ ماذا تريدون مني أن أقول يا نواب الأمة؟ إنها لفي الدرك الأسفل! المرأة قوام الحياة الأدبية، وركن الهيئة الاجتماعية، فما دامت منحطة فالأمة تظل منحطة أيضًا، إن مدرسة البنات العثمانية في بيروت لم تتخرج فيها منذ إنشائها إلى الآن تلميذة واحدة جديرة بالاحترام العلمي، بخلاف مكاتب البنات الأجنبية التي يتخرج منها كل سنة عدد كبير من الفتيات الراقيات».

وبما أن الحياة النيابية تمنح أعضاء البرلمان حق محاسبة المسؤولين في الحكومة، فإن سليم أفندي اتهم وزير المعارف العثماني بالتقصير والتقاعد عن إصلاح التعليم في بلاد الشام، رغم علمه الكامل بالأوضاع في البلاد. ويعلق: «وإنه ليحزننا جدًّا أن تهمل وزارة المعارف واجباتها، ولا سيما في سورية؛ حيث المصلحة السياسية تقضي عليها بمزاحمة الأجانب.. لجمهورية فرنسا أيها النواب الكرام مدارس في سورية فيها ٤٣ ألف تلميذ، ولروسيا مدارس فيها ٣٥ ألف تلميذ، ما عدا المكاتب الإيطالية والألمانية والأميركية وغيرها، فإذا علمتم أن عدد تلاميذ المدارس الرسمية دون ذلك العدد الكبير بكثير أدركتم الخطر الذي يتهدد البلاد».

يتابع: «هذا بيان موجز عن مكاتبنا الرسمية وتواكل وزارة معارفنا وإهمالها بلادنا العربية، ولم تكتفِ بهذا الإهمال فقط، بل تعمدت هضم حقوق العرب بإرسالها مئات من الترك على نفقة الأمة إلى أوروبا، فقد سعيت كثيرًا لأعلم أَبَيْنَ هؤلاء الطلبة عربي واحد، فما وجدت واحدًا في المائة، فضلًا عن أن عدد المدارس في كل البلاد العربية يقل عن نصف عدد المدارس التي أنشأتها الحكومة في الولايات التركية سنة ١٩١٣ فقط بمال الأمة العثمانية كلها».

وفقاً للمؤرخ أسعد داغر، أشعلت الإشارة الأخيرة من النائب اللبناني شرارة النزاع في البرلمان بين النواب العرب والأتراك. وكما يقول داغر «قامت الضجة في المجلس حينئذ، واشتد الجدال، ورغب النواب الاتحاديون في إكراه الخطيب على النزول عن منبر الخطابة، فعُطِّلَت الجلسة مؤقتًا».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع