في وثيقة عمرها 155 سنة: الجيش المصري يمنح تركيا حق الوجود في كريت

معركة أركادي التي أبدى فيها الجيش المصري شجاعة منقطعة النظير

معركة أركادي التي أبدى فيها الجيش المصري شجاعة منقطعة النظير

كتب: خالد أبو هريرة

هذه حكاية وثيقة تبلغ من العمر الآن أكثر من قرن ونصف القرن، قدم فيها الخديوي إسماعيل شكره للجيش المصري على جهوده الحربية الممتازة في قمع الثورة التي اندلعت فوق جزيرة كريت ضد الحكم العثماني العام 1866. وكان السلطان عبد العزيز قد طلب دعم الجيش المصري خوفاً من تسرب الجزيرة من أملاك الدولة العلية، ولبى المصريون النداء كعادتهم طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي أنقذوا فيه الأتراك المرة تلو الأخرى، إما من السقوط في براثن روسيا كما وقع في حرب القرم (1853 - 1856)، أو من خسارة بقعة من دولتهم مثلما وقع في ثورة كريت.

وعلى أساس ما رواه المؤرخ المصري محمد فريد بك في كتابه «تاريخ الدولة العلية العثمانية»، نقدم تلك الحكاية..

يقول فريد بك: «أما ثورة جزيرة كريت 1866 فنشأت من دسائس اليونان بها وسعيهم في ضمها إليهم، لكن يظهر أن مصلحة الدول البحرية (يقصد بريطانيا وفرنسا وكذلك روسيا) لم تسمح لهم هذه المرَّة بتأييد مطالب اليونان، بل كانت كلها مضادة لسلخ هذه الجزيرة عن أملاك الدولة العلية».

يتابع: «ولذلك منعت الدول مملكة اليونان من مساعدة الجزيرة الثائرة، وأرسلت الدولة العثمانية لقمعها جيشًا عرمرمًا، وأرسل المرحوم إسماعيل باشا - خديوي مصر الأسبق - فرقة لمساعدتها على مقتضى الفرمانات، وأظهرت الجيوش المصرية بها شجاعتها المعتادة، وفازت بالنصر في عدَّة مواقع مهمة، خصوصًا في واقعة أرقاذي (أركاديون) حتى استحقوا ثناء خديويهم عليهم وشكره لهم، فأرسل لهم بكريت رسالة قرئت على جميع العساكر والضباط المصريين، وكان المحرر لها المرحوم عبد الله باشا فكري، الذي كان إذ ذاك ناظر قلمي التحريرات والعرضحالات، وقد أردنا إيرادها حرفيا لرقة مبانيها ودقة معانيها شاهدة بفضل المصريين في براعة التحرير كما تشهد لهم بالنصر والفوز العظيم، وها هي بحروفها:

«إلى من باشروا واقعة «أرقاذي» من الضباط الجهادية وأفراد العساكر المصرية، سلام من الله وتسليم ورضوان كريم يُهْدَى لأولكم وآخركم ويُسْدَى لمأموركم وآمركم، لا زلتم محفوفين من الله بنصره، محفوظين بأمره، غالبين على عدوِّكم بقهره، متقلبين في نعمته وبره، ولا انفكت عزائمكم في كروب الحرب عزائم، وصوارمكم في قطوب الخطوب بواسم، وأعلامكم للنجح والتمكين علائم، وأيامكم للفتح المبين مواسم، ورياح القهر والدمار على عدوِّكم سمائم، ونسمات النصر والفخار في رواحكم وغدوِّكم نواسم (وبعد)».

«فما زلت أتشوق من أخبار شجاعتكم ما يسرُّ الخواطر، وأتشوف من آثار براعتكم ما يقرُّ النواظر، واثقًا بعزمكم وحزمكم في المضايق مبتهجًا بما أبديتموه من حسن السوابق حتى ورد فابور الشرقية من طرف حضرة الباشا ناظر الجهادية بيوميات الوقائع العسكرية، مشتملة على واقعة أرقاذي وتفصيلاتها، وما كان من رسوخ أقدامكم وثباتها وأقدامكم في جهاتها، واقتحامكم مضايق حصونها واستحكاماتها، وتسخير مستعصماتها وتدمير أشقياء العصاة وكماتها، حتى زلرلت صياصيها، وذللت نواصيها، ودنا لكم قاصيها ودان عاصيها، فهكذا تكون رجال الجهاد وأبطال الجدال والجلاد، وهكذا تفتح الحصون ويبرز سرُّ النصر المصون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. فقد أسفر لكم بحمد الله وجه التهاني، وأثمر فيكم بعون الله غرس الأماني، وأيدتم ما ثبت للعساكر المصرية من حسن الأمور العسكرية، فحصل لي من الأنس والسرور بهذه البشارة ما لا تقدر الألسن أن تصف مقداره ولا يتسع له مجال الإشارة، وتأيد فيكم حسن أنظاري، وظهرت ثمرات أفكاري، وتحققت أنكم الآن بعون الله الكريم لا تزلُّون عن هذا الطريق القويم، ولا تزالون في تأييد ما لكم من المجد القديم».

«وقد شاع حديث نصرتكم بين الأهل والديار، وسارت الركبان بمحاسن هذه الأخبار كما نقلته صحائف الوقائع إلى جميع الأقطار؛ فانشرحت صدور أهلكم وإخوانكم، وفرحت بكم جميع أهل بلدانكم، وابتسمت ثغور أوطانكم، وافتخرت بأحاديث شجعانكم، وارتاحت أرواح الشهداء من أقرانكم. والمأمول في ألطاف الله العلية وبركات السلطنة السنية، ثم في حميتكم الملية وغيرتكم الوطنية أن يزول حال الاختلال عن قرب، وينتهي أمر القتال والحرب، ويطيع الجميع ويسهل كل صعب منيع، وتعودوا لوطننا العزيز ظافرين بالنصر والتعزيز، وقد قرب حصول الأمل ونجاح العمل، ومضى الأكثر وبقي الأقل، والحرب للرجل العسكري والبطل الجريء سوق عظيم وموسم كريم تُشترى فيه غوالي المعالي بأعالي الغوالي، وتُنال فيه منازل الأكارم في ظلال السيوف الصوارم، ويدرك الفخر الصادق بمرامي المدافع والبنادق».

«وقد علمتم أن الشجاعة وإن كانت تبلغ الآمال لا تقصر الآجال، كما أن الجبن وإن كان يورث العار لا يؤخر الأعمار، وإنما هي آجال محدودة وأنفاس معدودة، لا تقبل التغيير ولا التقديم والتأخير. والشجاعة صبر ساعة ثم ينكشف الغبار وتسفر الأخبار، ويتناقل حديث الشجعان ويخلد في تواريخ الزمان، فدوموا على إبداء الاجتهاد وقوموا بأداء حقوق الجهاد، واثبتوا على الشجاعة والإقدام وثبات القلوب والأقدام، وأنجزوا بمعونة الله تمام هذا المرام، وكما جودتم براعة المطلع فأحسنوا براعة الختام. ا.ﻫ».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع