«كيف هدم الأتراك حضارة العرب؟»: المؤرخ نعوم شقير يجيب

الأتراك

الأتراك

كتب: خالد أبو هريرة

في كتابه المهم «تاريخ سينا والعرب»، عقد المؤرخ والسياسي اللبناني نعوم شقير، مقارنة سريعة بين الدور التاريخي للعرب والأتراك في حضارة الشرق الأوسط، ذهب فيها، واستنادًا إلى معدلات النمو ودرجة الرقي الثقافي والفكري، إلى أن الترك كانوا في الحقيقة هادمين لكل ما سبق وبناه العرب في القرون السابقة.

فكيف توصل شقير إلى تلك النتيجة؟..

يقول المؤرخ اللبناني: «قد بلغت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان (القانوني) مبلغها من الصولة والاتساع فامتدت من بودابست على نهر الطونة إلى أسوان شمالًا وجنوبًا، ومن نهر دجلة إلى حدود مراكش شرقًا وغربًا، فشملت رومانيا، والصرب، والبلقان، والبوسنة والهرسك، والجبل الأسود، وألبانيا، واليونان في أوروبا، وقبرص ورودس وكريت في البحر المتوسط، وآسيا الصغرى والشام والعراق والحجاز واليمن في آسيا، ومصر والنوبة وبني غازي وطرابلس الغرب وتونس والجزائر في أفريقيا، وكلها كما ترى بلاد أجنبية عن الترك جنسًا أو جنسًا ودينًا، ومعلوم أن الأمة المستعمرة التي تحكم أممًا من غير جنسها أو من غير دينها لا بدَّ لتعزيز حكمها أن تتوافر فيها صفات وشرائط خاصة».

أهم تلك الشروط وفقاً لـ نعوم شقير، أن تكون الحضارة المتغلبة «أن تكون أسمى إدراكًا وأوسع علمًا وأرقى حضارةً وأقوى عدةً وأتمُّ نظامًا من الأمم التي تحكمها.. وأن يكون أساس حكمها العدل، وأن تحكم كل قوم بما يناسب حالهم وزمانهم من الشرائع والقوانين.. وأن تعطي الأمم المحكومة من حق الحكم على قدر ما عند تلك الأمم من الاستعداد الطبيعي والاكتسابي لذلك.. وأن تكون وطأة حكمها خفيفة ليِّنة حتى إن الأمم المحكومة لا تكاد تشعر أنها محكومة من غير أبنائها.. وأخيراً ألَّا تقدم على فتح بلاد جديدة حتى تكون قد نظَّمت البلاد التي في يدها، ووطَّدت فيها أسباب الأمن والراحة والرقي».

يرى شقير أن «هذه الشرائط والصفات لم تتوافر في خلفاء سليمان القانوني على الآستانة، وقد دلَّ التاريخ أن العربي على بداوته وأمِّيته أصلح جدًّا للاستعمار من أتراك الآستانة». ثم يورد الأدلة على كلامه من أحوال الأقاليم العربية قبل وبعد الحكم العثماني. يقول: «انظر إلى العراق الذي كان في عهد حمُّورابي قديمًا والرشيد حديثًا جنة الله في أرضه كيف أصبح الآن وأكثر أراضيه قفار، وقد كانت جبايته في عهد المأمون نيفًا وعشرين مليون دينار، والآن لا يزيد عن مائتي ألف جنيه».

يتابع: «وهذه سوريا التي كانت في عهد الأمويين تسع ١٢ مليونًا من السكان، وجبايتها ١٧٣٠٠٠٠ دينار لا يكاد عدد سكانها يبلغ الآن مليونين ونصف مليون من النفوس، وجبايتها لا تتجاوز ٧٥٠ ألف جنيه، وقد أقفرت ديارها وعفت آثارها وتشتت أهلها في أقاصي المعمور يقاسون من ذلِّ الغربة وآلام البعاد ما يفتت الأكباد».

وعن مصر التي كان نعوم شقير يعمل فيها عضواً في إدارة الاحتلال البريطاني يقول: «نزلها الفراعنة قديمًا والفاطميون حديثًا فتركوا في واديها من الآثار ما لا يزال قائمًا إلى اليوم ناطقًا بفضل العرب وشاهدًا بمقدرتهم الطبيعية واستعدادهم الفطري للوصول إلى أعلى درجات التمدن والارتقاء، ولقد كانت جباية مصر في عهد عمرو بن العاص العربي البدوي ٢٠ مليون دينار، فأمست في آخر حكم ولاة الآستانة على مصر قبل أن تولاها محمد علي باشا ٦٥ ألف جنيه».

يقدم شقير في إثر ذلك، حديثاً عن التطورات السياسية الخطيرة في الدولة العثمانية والتي كان يعاصرها وقت تأليفه الكتاب (العام 1916)، فيقول: «ولقد بلغ الظلم والخراب حدَّهما في عهد السلطان الرابع والثلاثين عبد الحميد الثاني، فألف الاتحاديون جمعية سرية استمالوا إليها نخبة شبان الجيش فدكُّوا عرش عبد الحميد، وبنوا على أنقاضه حكومتهم الدستورية، وكان ذلك سنة ١٩٠٨، وقد حبذت الأمة كلها عملهم ونصرتهم على اختلاف الأجناس والأديان، ولكنهم ما لبثوا أن استأثروا بالسلطة وأرادوا أن يكون لهم الأمر والسيادة، وللعرب — ولسائر الأمم العثمانية — الخضوع والطاعة، وقد عملوا على تعميم اللغة التركية وطمس اللغة العربية حتى في المحاكم، فقام عقلاء الترك والعرب وبيَّنوا لهم خطأ هذه الخطة وطالبوا بالإصلاح على مبدأ اللامركزية، وقالوا: إنه بهذا المبدأ وبه وحده يحفظ كيان الدولة ونظامها، فما صغوا لهذا القول ولم يكن لطلَّاب الإصلاح أمة مستجمعة القوى متوحدة المقاصد تشد أزرهم، ففشلوا».

يتابع، شارحاً المأزق الخطير الذي أوقع الاتحاديون أنفسهم به بالانخراط في الحرب العظمى: «والآن فإن الاتحاديين على رغم عقلاء الترك والعرب من رعايا الدولة والنصحاء المخلصين من غير رعاياها قد زجُّوا بأنفسهم وبالدولة في هذه الحرب الجهنمية في جانب الألمان لغير ما سبب، فأضاعوا إلى الآن عشرات بل مئات الألوف من نخبة شبان البلاد وكهولها، وعطلوا المتاجر وأوقفوا الصنائع وجلبوا على أنفسهم وعلى أمتهم من الويلات والأحزان ما لا يعبر عنه بقلم أو لسان، وماذا جنوا؟».

كان المستفيد الأكبر في نظر شقير من انضمام تركيا إلى الحرب، هم حلفائهم الألمان الذين «جنوا نفعًا كبيرًا ظاهرًا لأمتهم ولبلادهم، فقد أشغلوا بجيوش الترك والعرب قسمًا كبيرًا من جيوش أعدائهم، وأمَّا الاتحاديون فإنه لم يكن لديهم المال للإنفاق على الحرب فاستمدوه من الألمان، فوضع الألمان أيديهم على مرافق البلاد الحيوية ومراكزها الرئيسية تأمينا على أموالهم، بل وضعوا أيديهم على الجيش زهرة شبان البلاد ليديروه بما يوافق مصلحتهم، فأصبحت البلاد العثمانية برمتها من ملكية وعسكرية، عربية وتركية، مسلمة ومسيحية؛ مستعمرة ألمانية، والحلفاء الآن باذلون الجهد لانتزاعها من يد الألمان، وهناك أدلة كثيرة على أنه لا بد من فوز الحلفاء عاجلًا أو آجلًا، وفي الحالين فإن الاتحاديين قد أضاعوا ملكهم بسوء سياستهم».

وقد صدق توقع نعوم شقير الذي كان قائماً على معطيات الحرب الجارية، وانهزم الاتحاديون في العام 1918 معلنين استسلامهم أمام الحلفاء، وبحلول العام 1923، كانت الخلافة العثمانية قد ألغيت رسمياً وأقيمت على أنقاضها الجمهورية التركية الحديثة.  

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع