«كيف نعطيكم سلاحًا تقاتلوننا به؟»: حين تعمد الأتراك حرمان العرب من التعليم

مدرسة الطب - دمشق

مدرسة الطب - دمشق

كتب: خالد أبو هريرة

في عام 1925، وفي أحد فصول كتابه المعنون بـ«القديم والحديث»، وجد المفكر السوري محمد كرد علي نفسه مجبرًا على عقد مقارنة بين طباع العرب والأتراك، وآثارهم في الحضارة والمدنية. وكانت تلك مسألة حيوية في عصر صدور الكتاب، بما أن سوريا بلد المؤلف كانت قد حصلت منذ سنوات قليلة على استقلالها عن الدولة العثمانية، وكان العرب فيها يرغبون في تأسيس ثقافة حداثية خاصة بهم، تكون دعامة لدولة عربية قوية.

في الفصل المشار إليه، والذي حمل عنوان «ارتقاء العرب وانحطاطهم»، ينسب كرد علي إلى الأتراك انحطاط العنصر العربي طوال قرون الحكم العثماني. وقد أفرد حديثاً خاصاً في الفصل نفسه عن مسألة التعليم في البلاد العربية، متهماً حكومة تركيا الفتاة التي حكمت الدولة العثمانية في عصرها الأخير (1908 - 1918) بتعمد إهمال تعليم الناطقين بالعربية خوفاً من نشوء إنتلجنسيا مناهضة للوجود التركي والدولة التركية، وأورد كرد علي حكاية طريفة بخصوص ذلك الشأن، كانت قد وقعت بينه وبين أحد ولاة دمشق من الأتراك.

يقول المفكر السوري عن الأتراك: «الترك أمة لم تعهد للترقي الحقيقي عصرًا، وكانت قرائح أبنائها محصورة على الدوام في الحرب فقط، فلما كانت الغلبة لهم والفتوح مواتية والعيش رخاء، لم يتأدبوا بأدب النفس، ولم يدخلوا في التربية الصحيحة من أبوابها؛ فلذلك لم تستقم لهم حضارة ثابتة، وقضى الترك على آخر آثار مدنية البيزنطيين يوم حلوا محلهم، واستولوا على تراثهم، كما قضوا على البقية الباقية من مدنية العرب، وغيرهم من الأمم ذات المجد المعتبر، ولم يتيسر لهم ويا للأسف إقامة شيء جديد».

يتابع: «وليس الذنب في ذلك كله على طباع رسخت فيهم، بل العيب كل العيب على نظام حكومتهم، وغلوهم في تكبير رقعة مملكتهم مع سوء إدارتهم، فقد رأينا شعوبًا أحط منهم جنسًا أنشأوا لهم مدنية، وأحسنوا لمن انضووا تحت رايتهم على الأغلب، أمّا الترك فكان رائدهم في فتوحاتهم الغزو واستجلاب الغنائم، ففتحوا بلادًا يستحيل عليهم أن يخضعوها لسلطانهم أبد الدهر؛ لأن أهلها أرقى منهم مدنية وعنصرًا، ولا يرجى أن يكونوا منحطين عنهم أبدًا، وفي تاريخ استيلاء الترك على المجريين، واليونانيين، والرومانيين، والصربيين، والبلغاريين، وفي حالة هذه الأمم على عهد الترك وحالتها بعدهم، أكبر دليل على أن العبرة في الفتوح بالأخلاق الفاضلة، والطباع اللينة، واقتباس النافع من أسباب النشوء والارتقاء بالقوس والنشاب والمدافع والحراب».

أما الحكاية التي ذكرتها في أول التقرير، فقد أوردها محمد كرد علي على النحو التالي: «أذكر لكم قصة وقعت لي بالذات مع والٍ من ولاة دمشق على عهد العثمانيين، وكان ثرثارًا مثل أكثر عمالهم تظنه لأول وهلة على شيء من العلم والفهم، حتى إذا ما درست أخلاقه وجدته قاسيًا جاهلًا ليس عنده شفقة، ولم تتشبع روحه بالتربية الفاضلة وعلمه طلاء كالقصب الذي يعلقه على صدره؛ يتراءى لك لأول أمره ذهبًا إبريزًا، كتب إلي قائم مقام عجلون مرة يقول لي: إن أهل قضائه عزموا على أن ينشئوا ستين مكتبًا أهليًا لتعليم أحداثهم، وأنهم جمعوا لذلك المال فهو يرجو أن أنتخب له ستين معلمًا».

استمر كرد علي في البحث عن المعلمين المطلوبين مدة ثلاثة أشهر، ولم يجد في النهاية سوى ثلاثة عشر، يقول: «ولما عزمت على تسفيرهم من الغد أخذتهم إلى الوالي، وذكرت له قضيتهم؛ ليطلع على الأمر قبل أن يطلعه عليه جواسيسه، فكان أول سؤال سألهم إياه هل تعرفون التركية، فلما أجابوا بغير الإيجاب امتقع لونه، والتفت إليَّ قائلًا: وكيف ذلك فقلت له: أرجو أن يتعلموا، ومهمتهم الآن تعليم أبناء الفلاحين مبادئ القراءة والكتابة والحساب، والأمور الدينية فقط فسكت وانصرفنا، وبعد ساعتين أتتني برقية من قائم مقام عجلون يتوسل إليَّ ألا أرسل المعلمين بعد أن كان يلح في إرسالهم، فعلمت عقيب ذلك أن الوالي أبرق لعامله في جبل عجلون بعد خروجي من عنده، يلومه على اعتماده عليّ في انتقاء معلمين لمدارس أهلية، ولما عاتبت الوالي في إحدى العشايا قال لي: وهل أنت كنت تظن أن الدولة تعطيكم سلاحًا تقاتلونها به، إن من سياستنا ألّا تتعلموا، فتألمت نفسي وأقسمت في سري أن هذه الدولة لا تدوم، وكل دولة تعد جهل الأمة سلاحها في التحكم برقاب من تحكمه تهلك وإياهم، والعدو العاقل خير من الصديق الجاهل».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع