كيف حاول الأتراك غزو مصر من خلال الأراضي الليبية؟!

السنوسي أثناء حملته على مصر - 1916

السنوسي أثناء حملته على مصر - 1916

كتب: خالد أبو هريرة

في أثناء الحرب العظمى (1914 - 1918)، وضع قادة تركيا الفتاة - الحزب الحاكم للدولة العثمانية في تلك الفترة - خطة واسعة الطموح لغزو مصر وطرد قوات الاحتلال البريطاني منها. وكانت تلك الخطة تقضي بالهجوم على مصر من شرقها على يد جيش عثماني/ألماني، ومن غربها على يد قوات الشريف أحمد السنوسي، وأخيراً من جنوبها على يد سلطان دارفور علي دينار.

يتناول التقرير التالي الحملة التي قام بها السيد أحمد السنوسي ضد الإنجليز في مصر على وجه التحديد، ومصيرها الأخير..

أولاً، نقرأ في كتاب (أعلام ليبيا) من تأليف مفتي ليبيا ومؤرخها الشيخ الطاهر الزاوي الترجمة التالية للسيد أحمد السنوسي: «أحمد بن الشريف محمد بن علي السنوسي.. العالم الفاضل المجاهد الكبير الوطني الغيور.. ولد بالجغبوب ليل الأربعاء 27 من شوال سنة 1290 هـ/1873، وأخذ العلم بزاوية الجغبوب عن أساتذتها، ولم تكن له رحلة للعلم».

يتابع: «ولما احتل الطليان طرابلس سنة 1911، تقدم للجهاد واجتمع الناس عليه، وناصب الطليان العداء وحاربهم حرباً لا هوادة فيها. ولم يتساهل في حقوق الوطن قيد أنملة رغم ما عرض عليه الطليان من حلول.. وحارب الإنجليز على الحدود المصرية فتغلبوا عليه، ولم تكن هذه الحرب من رأيه، ولكنه أرغم عليها لسياسة نفذها بعض أنصار الأتراك كانوا معه ولم يأخذوا فيها رأيه.. وبعد فشله في محاولات بذلها للتغلب على الإنجليز في الواحات وسيوة اضطر إلى الرجوع إلى برقة على طريق صحراء قرضبة ووصل إلى سرت في حالة يرثى لها. وبقى يتقلب في أراضيها هو وإخوانه، يفتك بهم الجوع والحاجة إلى أن سافر إلى الآستانة في غواصة نقلته من العقيلة في أكتوبر سنة 1917، ومنها انتقل إلى مكة ثم إلى المدينة وهناك وافاه الأجل يوم الجمعة 14 من ذي القعدة سنة 1351/1932 ودفن بالبقيع».

ويقدم لنا المؤرخ اللبناني نعوم شقير - والذي عمل في الإدارة البريطانية أثناء الحرب - المزيد من الأخبار عن حملة السنوسي في كتابه (تاريخ سينا والعرب) فيقول: «لم يكتف الألمان بأن زجُّوا بالاتحاديين (نسبة إلى الاتحاد والترقي وهم أنفسهم قادة تركيا الفتاة) والدولة (العثمانية) في هذه الحرب الضروس، بل أنفذوا رسلهم إلى السيد أحمد الشريف السنوسي كبير السنوسية الحالي في صحراء ليبيا الغربية، وأغروه بالدخول فيها أيضًا، وكان بين الذين أرسلوهم إلى السنوسي ألماني يدعى مانسمان ونوري باشا أخو أنور باشا وضابط عربي من بغداد يدعى جعفر باشا العسكري».

يتابع: «وكان القائد العام وأركان حربه برئاسة النبيل الكولونل كليتون مدير المخابرات قد بذلوا منتهى الجهد واستخدموا كامل الصبر وخالص النصيحة - وأنا شاهد عيان - لمنع السنوسي عن الدخول في هذه الحرب، وبيَّنوا له بالرسائل والرسل الذين يثق بهم أن مصلحته غير مصلحة الألمان والترك، وأن سلامته وسلامة أنصاره وكرامته تقضي بالتزامه الحياد التام، فإمَّا أنه لم يقتنع بالنصيحة وطمع بامتلاك مصر كما قيل إنه ثابت عنده في علم الجفر (أنه يدخل مصر ضحوة يوم الخميس، بعد ما يحمي الوطيس، ويقلُّ الأنيس، ويملُّ الجليس)، وإمَّا إنه اقتنع بالنصيحة ولم يستطع التغلب على دسائس الترك والألمان، فورَّطوه على رغمه ووقع ما كنا نخشاه».

وفقاً لـ شقير «حصلت بين عرب الغرب (أي عرب ليبيا) والجيش البريطاني على الحدود ست وقعات متوالية أشهرها «وقعة بئر ماجد» في ٢٥ ديسمبر سنة ١٩١٥. «ووقعة العقاقير» على ١٥ ميلًا شرقي «براني» في ٢٦ فبراير سنة ١٩١٦، وكانت هذه الوقعة فاصلة: قُتِل فيها عدد كبير من العرب وأُسِر جماعة من ضباط الترك والعرب بينهم قائدهم جعفر باشا مجروحًا، واحتل الجيش البريطاني السلُّوم وخرب معسكر السنوسي فيها في ١٤ مارس سنة ١٩١٦، وعاد عرب مصر الغربيون نادمين وطالبين العفو».

يتابع: «هذا وفي أول الشتاء كان قد غرق في البحر المتوسط قريبًا من ساحل السلُّوم باخرتان إنكليزيتان (تارا، ومورينا)، فتمكن بعض بحارتهما من الوصول إلى الساحل فأسرهم السنوسي وجعلهم في زاوية العزِّيات على نحو أربعة أيام بسير الإبل غربي السلوم، فلما كانت واقعة العقاقير هاجم الدوق أوف وستمنستر بقطار من السيارات المدرعة وسيارات النقل، وأنقذ البحار الإنكليز المذكورين، وعددهم ٩١ نفسًا، وعاد بهم إلى السلوم فالإسكندرية، وكان فعله هذا من أجمل ما جاءت به هذه الحرب من فعال الشهامة والإقدام».

وفي نهاية حديثه، يعتذر نعوم شقير عن إيراد بعض التفاصيل عن الحرب السنوسية - الإنجليزية، ولكنه وجد نفسه مجبراً على هذا ليبدي أسفه على من «ذهب ضحية من أبطال العرب والإنكليز الأشاوس، وعما وقع بين الأسرة السنوسية وجارتهم الكريمة مصر من الجفاء بعد الذي كان بينهما من المودة والصفاء، وأملنا بعد الآن أن السيد أحمد الشريف - وهو ابن أخي السيد محمد المهدي كبير السنوسية السابق، وحفيد السيد محمد علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية الكبير - يتبع خطة سلفيه، فلا يعكر الصفاء الذي أسسه ذانك الفاضلان النبيلان مع مصر، وألا يصغى إلى دسائس الدسَّاسين، ولا يعمل إلَّا ما فيه مصلحة العرب والأسرة السنوسية عمومًا إن شاء الله».  

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع