«هلكوا من البرد والجوع»: آلاف الشباب العراقي يموت في حرب الأتراك ضد روسيا

الحرب الروسية العثمانية 1877

الحرب الروسية العثمانية 1877

كتب: خالد أبو هريرة

في العصر العثماني، عانى العراقيون من حادثتي تعبئة عامة للذكور البالغين منهم، بغرض المشاركة في الحروب الضارية التي خاضتها الدولة العثمانية ضد روسيا. الأولى في العام 1877 أثناء الحرب الروسية العثمانية، والثانية خلال الحرب العظمى (1914 - 1918) والمعروفة باسم حادثة السفربرلك. وسواء في الحرب الأولى أم الثانية، سقط عدد هائل من القتلى في صفوف المجندين العراقيين. إما أثناء العمليات القتالية، أو بسبب الجوع والبرد.

عن المشاركة العراقية في الحرب الروسية العثمانية، والتي أطلق عليها في الذاكرة الشعبية ببغداد اسم (دقة الغربية)، يدور التقرير التالي..

يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) عن الحرب العثمانية الروسية: «في شهر مايو من عام 1877، أي بعد مرور عشرة أشهر على تسلم عبد الحميد الثاني زمام الحكم، نشبت حرب شعواء بين روسيا والدولة العثمانية. وكانت هناك أسباباً مختلفة أدت إلى نشوبها منها الاضطرابات والمذابح التي كانت تزخر بها البلقان في تلك الأيام. ومنها أيضاً خوف روسيا من إعلان الدستور في الدولة العثمانية، وما قد يجر وراءه من تدعيم للنفوذ البريطاني والفرنسي فيها».

يتابع: «وقد ارتج العالم الإسلامي والأوروبي لتلك الحرب، وأصدر شيخ الإسلام في 21 مايو فتويين: إحداهما بوجوب القتال على كل مسلم، والثانية بإضافة لقب غازي على اسم السلطان في الأوامر وعلى المنابر إشارة إلى ما جاء في الحديث النبوي: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا)».

يقول الوردي: «استمرت الحرب بضعة أشهر منيت الجيوش العثمانية فيها بهزائم منكرة في الجبهتين البلقانية والقوقازية، وهلك فيها الآلاف من الشبان الذين سيقوا إلى ساحات القتال من مختلف الولايات العثمانية». وكان من بين هؤلاء الشباب العراقي، والذين تولى تعبئتهم ونقلهم إلى جبهة القتال في القوقاز والي بغداد عاكف باشا.

يقول الوردي: «وصل إلى بغداد في 13 مايو 1877، ولم يبق فيها سوى إحدى عشر شهراً. وفي عهده وقعت الحرب الروسية العثمانية التي عرفت في العراق باسم دقة الغربية، وقد سيق إلى من العراق إلى ساحة الحرب في القوقاز عشرة آلاف جندي لم يرجع منهم سوى نفر قليل، فقد هلك أكثرهم من شدة البرد والجوع، ومن هنا نشأت النوحية المشهورة في العراق: (أويلاخ يا دقة الغربية)». والدقة تعني التعبئة، أما الغربية فيقول عنها علي الوردي: «الغربية في اللهجة العراقية تعني جهة الشمال، ويقصد بها جبهة القوقاز. والواقع أن دقة الغربية حدثت مرتين: أولاهما في بداية العهد الحميدي، والثانية في بداية الحرب العالمية الأولى».

يقول المؤرخ العراقي عباس العزاوي في كتابه (تاريخ العراق بين احتلالين) عن حادثة (دقة الغربية): «وردت برقية بإعلان روسيا الحرب على الدولة العثمانية وكان من القواد سليمان باشا.. إعانات وكانت هذه الحرب قاسية على العثمانيين وفي وقت ضيق وضعف ، فأبدى العراقيون تفادياً (فداءاً) كبيرا بتطوعهم وتضرر كثير من هؤلاء من الثلوج والبرد فلم يقووا عليه. ولم ينجح العثمانيون في نتائجها ، بل كانت وبالاً كبيراً وخسارة عظيمة أدمت القلوب ، وأنهكت قوة الدولة ، وأصابها الحيف».

أما عن بقية تفاصيل الحرب الروسية العثمانية، فيقول عنها الوردي: «اشتهر في تلك الحرب أحد قواد الجبهة البلقانية هو عثمان باشا، فقد استطاع هذا الرجل أن يصمد بقواته في بلدة بلافنا زهاء خمسة أشهر تجاه قوات روسية ضخمة. ولم يستسلم إلا بعد أن كبد الروس خسائر جسيمة وصار صمود عثمان باشا في بلافنا مضرب المثل في التاريخ العسكري الحديث.. وبعد سقوط بلافنا، انحدرت القوات الروسية نحو إسطنبول بزخم شديد، فاحتلت مدينة أدرنة في 28 يناير 1878، وسرعان ما وصلت إلى سواحل مرمرة حيث أصبح في مقدور الناظر من هناك أن يلمح منائر إسطنبول وهي تتراءى له في الأفق. وكان ذلك أقرب موضع وصلت إليه الجيوش الروسية في جميع حروبها السابقة التي خاضتها الدولة العثمانية».

يتابع: «إن وصول القوات الروسية إلى مقربة من إسطنبول أشاع الذعر في لندن، فصدرت الأوامر إلى الأسطول البريطاني بالتوجه نحو الدردنيل. وكان دزرائيلي رئيس الحكومة البريطانية يجر بلاده إلى محاربة روسيا على نمط ما جرى قبلئذ في حرب القرم (1853 - 1856).. وجرت مفاوضات على عجل بين روسيا والدولة العثمانية، ثم عقدت معاهدة مؤقتة بينهما عرفت باسم معاهدة سان ستيفانو في 3 مارس 1878. وقد حصلت روسيا بهذه المعاهدة على قلعة قارص في أرمينيا، وعلى ميناء باطوم، ووافقت الدولة العثمانية على استقلال بلغاريا. وفي مؤتمر برلين الذي عقد في شهر يونيو 1878 لم تصادق بريطانيا على اتفاق سان ستيفانو إلا بعد أن حصلت من العثمانيين على جزيرة قبرص، وكأنها أرادت بذلك أن تأخذ تعويضاً عن مساعدتها للدولة العثمانية في ساعة المحنة».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع