«سنوات الغليان في سوريا»: أهالي دمشق يمزقون الوالي العثماني

دمشق

دمشق

كتب: خالد أبو هريرة

قبيل انطلاق الحملة المصرية بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي لغزو بلاد الشام مفتتح ثلاثينيات القرن التاسع عشر الميلادي، كانت سوريا تعيش غليانًا ظاهرًا، وتوترات لا تخفى. وبين النفوذ الأجنبي المتنامي في حلب ودمشق وجبل لبنان، ودسائس محمد علي باشا، وثورات الشوام التي لا تتوقف، أخذت سلطة العثمانيين في البلاد بالاهتزاز أكثر من أي وقت مضى، وتمهدت السبيل لنجاحات إبراهيم باشا اللاحقة، والتي ميزت الحرب المصرية التركية الشهيرة.

عن سنوات الغليان السورية قبيل حملة الجيش المصري، والتي بلغ فيها الحال حد قتل أهالي دمشق الوالي العثماني في واحدة من هباتهم، يدور التقرير التالي..

كان استقلال اليونان عن الدولة العثمانية، ورغبة السلطان محمود الثاني في الانتقام من المسيحيين الشوام لظنه دعمهم الثورة اليونانية في الباطن، سبباً في انفجار الصراع بين السوريين والأتراك، بعد أن أن أبدى المسلمون الشوام رفضهم ذبح إخوانهم من المسيحيين دون جريرة ظاهرة، أو دليل قاطع على تورطهم. يقول المؤرخ السوري محمد سعد أطلس في كتابه (عصر الانبعاث، تاريخ الأمة العربية): «كان لانفصال بلاد اليونان عن جسم الدولة العثمانية واستقلالها في سنة ١٨٣٠م بعد حرب فظيعة ذهب بها أكثر الأسطول التركي والأسطول المصري، كما كان لانفصال المقاطعات الرومانية عن الدولة العثمانية وإعلانها استقلالها في ذلك الحين أثرٌ بالغٌ في إضعاف كيان الدولة. ويظهر أن الدولة العثمانية قد طاش صوابها، وأرادت التنفيس عن غمها الذي لحق بها من جراء الانهزامات، فسلكت إلى ذلك طريقًا بشعة، وهي: الانتقام من نصارى الشام، فكتبت إلى واليها فيه تطلب إليه أن ينتقم منهم. وجمع والي دمشق العثمانيُّ أعيانَ البلاد في سنة ١٨٣١م، وتلا عليهم الفرمان الشاهانيَّ القاضي بقتل كبراء النصارى في هذه البلاد لتآمرهم وإفسادهم، ولكنَّ موقفَ أعيان المسلمين كان موقفًا مشرفًا؛ إذ قالوا له: ليس بين النصارى المقيمين بيننا مفسدون، وإنما هم أهل ذمة، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإن الرسول الكريم ﷺ أوصى بهم خيرًا، فقال: من آذى ذميًّا كنت خصمه يوم القيامة. ونحن لا نتحمل تبعة ظلمهم والفتك بهم. فأخذ خطوطهم على ذلك وبعث بها إلى الباب العالي في الآستانة».

يتابع أطلس: «ولعمر الحق إن موقف عرب الشام المسلمين من عرب النصارى لموقفٌ مشرفٌ ومنطقيٌّ، وهو دليل على أن الروح القومية السليمة كانت قوية في هذه الأمة العربية على الرغم من محاولة الدولة العثمانية تفكيك عراها، وفصم أوصالها، فأية علاقة بين نصارى اليونان الثائرين على الدولة العثمانية وبين النصارى العرب العائشين بين إخوانهم، المحافظين على حقوق المواطن، ولكنه منطق الظلم والفوضى».

المؤرخ السوري اعتبر موقف المسلمين السوريين دليلاً على نشوء نزعة قومية بين عرب الشام تتجاوز الفروقات الدينية. يقول: «ولا شك في أن هذا العمل كان بذرة من بذور الانبعاث العربي؛ فقد رأى المسلمون العرب في هذه الديار فساد خطة الأتراك العثمانيين وسوء إدارتهم، فتمركزت في نفوسهم — أو في نفوس الواعين منهم على الأقل — فكرةُ التخلص من الظلم التركيِّ وإنقاذ البلاد العربية الرازحة تحت عبئه من تلك الحالة الشاذة».

هذه الفكرة التي اختمرت في نفوس الشوام، لم تلبث أن أفرزت ثورة هائلة في دمشق ضد واليها العثماني سليم باشا، والذي كان قاسياً ظالماً أرهق البلاد بالضرائب، فوجئ بعدم ركون رعاياه إلى الصبر، وإنما إلى الثورة التي لا تبقي ولا تذر. يقول محمد سعد أطلس: «كانت أولى الانتفاضات ثورة أهالي دمشق على واليهم التركي سليم باشا في سنة 1247ﻫ/1831 الذي قدم إلى دمشق وأخذ يعامل الأهلين بقسوة وعنف، بعد أن قاسى منه أهل حلب قسوة وعنفًا شديدَين. وما إن وصل إلى دمشق حتى زاد الضرائبَ واحتقر الأعيان، وضرب العامة، فعزموا على الفتك به وبجنده، وتجمهروا وتظاهروا عليه، وحصروه في قصره وضيقوا عليه، فاضطر أن يلجأ ليلًا إلى الجامع المعلَّق أولًا ثم إلى القلعة، وأمر بعض جنده بإحراق دار الحكومة ليشغل الناس عن محاصرته، فلم يأبهوا لذلك الحريق، واضطر الوالي أن يقذف عليهم نيران المدافع من القلعة، فهلك من الأهلين عدد كبير. ثم لجأ الوالي إلى بيت القاضي فهاجم الناس البيت واحتلوه وقتلوه، واختاروا من بينهم حكومة تدير شئون البلاد كانت بذرة جديدة من بذرات الوعي القوميِّ العربيِّ».

والطريف أن أطلس يورد بعض الروايات التي ترجح تورط محمد علي باشا والي مصر في تأليب الدماشقة على واليهم سليم. وأياً ما كانت صحة الأمر، فإن مقتل الأخير كان مقدمة لاضطراب طويل في بلاد الشام، وتمهيداً لوصول العساكر المصرية إلى البلاد، في حملة ستنهي خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر حكماً عثمانياً لسوريا دام من بدايات القرن السادس عشر الميلادي.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع