حكايات العراق العثماني: «حكومة نائمة وقبائل تنهب القوافل وتفرض الضرائب»

الرحالة كارستن نيبور في العراق

الرحالة كارستن نيبور في العراق

كتب: خالد أبو هريرة

عاش العراق انحطاطاً سياسياً واجتماعياً كبيراً في أثناء العصر العثماني، خصوصاً القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، نتيجة وقوعه في خط التماس بين الدولتين العثمانية والصفوية، الأمر الذي أفقده الاستقرار اللازم للنهوض، إضافة إلى إصرار العثمانيين على التعاطي مع بغداد كعاصمة لولاية مهمتها دفع الخراج أو منفى لرجال الدولة المغضوب عليهم من قبل السلطان.

في السطور التالية، أقدم بعض مظاهر الانحطاط في العراق العثماني استناداً إلى ما كتبه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)..

يقول الوردي: «إن الانحطاط العام الذي أصيبت به الدولة العثمانية (في القرن السابع عشر) لا بد أن ينال العراق نصيبه منه، وقد يصح القول إن نصيب العراق من الانحطاط العام كان أكبر من نصيب بعض الأقطار العثمانية الأخرى على وجه من الوجوه، فالمعروف عن العراق أنه كان بمثابة المنفى للولاة والموظفين الأتراك، إذ كان هؤلاء يمتعضون من العمل فيه.. ولم يكن يقبل العمل فيه إلا الموظف الذي لا يجد له عملاً في مكان آخر أو الذي يتوقع أن يبقى فيه مدة قصيرة ليجمع منه ثروة ينتفع منها في مستقبل أيامه.. وهو الأمر الذي جعل الجهاز الحكومي في العراق آنذاك في أوطأ دركات الضعف والتفسخ».

وفقاً للأستاذ العراق الكبير، فإن «تفسخ الجهاز الحكومي في بلد كالعراق لا بد أن يؤدي إلى ارتفاع المد البدوي فيه. إن الحكومة أهم دعائم الحضارة، وحين تضعف الحكومة تضعف الحضارة معها فيختل نظام الري ويقل عدد السكان وتتخرب المدن، وإذ ذاك تنتهز القبائل البدوية الفرصة فتأتي من الصحراء متغلغلة في أنحاء البلاد حيث تحل محل الحكومة في السيطرة على كثير من الطرق والمدن. وهذا هو ما وقع فعلاً في تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق».

يسوق الوردي بعد ذلك بعض الشهادات التي خلفها لنا الرحالة الأجانب حول العراق في القرن السابع عشر الميلادي، والتي أشارت إلى الفوضى العارمة وغياب الأمن في البلاد. يقول الوردي: «مر السائح الفرنسي تافرنييه بالعراق أواسط القرن السابع عشر الميلادي. وحين نقرأ مذكراته التي كتبها عن رحلته نستطيع أن نستنتج منها أن الكثير من مناطق العراق كانت تعيش في مستوى من الترف غير مألوف عادة في الحياة البدوية مما يدل على وفرة ما كانت تفرضه على القوافل والمسافرين من إتاوات».

كما ينقل حديث الرحالة الألماني كارستن نيبور فيقول: «يحدثنا السائح الألماني نيبور الذي جاء إلى العراق في العام 1765 عن الطريقة التي كانت القبائل تجبي بها الإتاوات من القوافل فيقول: إن التجار يجب أن يدفعوا مبلغاً معيناً عن أموالهم المحمولة في القافلة إلى رئيس القافلة كروان باشي قبل الشروع بالحركة. وهذا الرئيس لا يكاد يرى جماعة من الأعراب يعترضون القافلة حتى يتقدم نحوهم مع نفر من رجاله على ظهور الخيل فيبدأ المفاوضة معهم حول المبلغ الذي ينبغي أن يدفعه لهم جزاء حمايتهم للقافلة. وقد تول المفاوضة بين الفريقين ويهدد كل منهما الآخر بقوة سلاحه، حتى يتم الاتفاق بينهم في النهاية، وتستأنف القافلة سيرها بسلام».

يتابع: «ويحدثنا نيبور أيضاً عن سير السفن في نهر الفرات بين البصرة والحلة، وكيف كان شيوخ القبائل يفرضون الضرائب عليها أحياناً بدلاً من الحكومة. وأشار إلى حادثة نهب وقعت لسفينة صغيرة محملة بالتمر وقد قتل فيها بعض ركابها من جراء امتناعهم عن تسليم أموالهم طوعاً».

كما وصف نيبور «بعض المناطق التي مر بها في سفينته فيما بين البصرة والحلة فيقول ما نصه: (وهذه الأراضي الصالحة للزراعة تمتد الآن بعيدة عن النهر كالبادية تماماً بسبب خلوها من السكان والجداول. تقع القرى بعيدة عن النهر بعداً لا بأس به، وهي مشيدة على أتعس طرز ويتجلى منها أن الشيوخ العرب لم يتركوا الشيء الكثير لسكانها المساكين، فالبيوت وأسوارها كلها من القصب. والخلاصة أنني لم أصادف في أي مكان أكواخاً أردأ من أكواخ هذه المنطقة الخصبة بطبيعتها والمشهورة منذ أقدم الأزمنة حيث كانت منطقة غنية بالسكان)».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع