سليمان القانوني: إن خرج المهدي المنتظر نازعته في المُلك!

سليمان القانوني

سليمان القانوني

كتب: خالد أبو هريرة

في كتابه «نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار»، أورد المؤرخ التونسي محمود بن سعيد مقديش حكاية طريفة حول ظهور المهدي المنتظر في التاريخ العثماني، إذ ذهب بعض العلماء بعد تأويل أحاديث الفتن والملاحم إلى ظهور المهدي في زمن العثمانيين، مؤكدين أن آل عثمان سوف يكونون من أنصاره. ولكن السلطان سليمان القانوني الذي سمع تلك التأويلات، فاجأ الجميع بنيته النزاع على السلطة والمُلك مع المهدي المنتظر إذا ظهر هذا الأخير، ورغب في الحصول على خلافة المسلمين.

جاءت هذه الرواية على هامش حديث محمود مقديش حول تفسير ما سماه (عصمة العثمانيين من الفتن)، أي عدم قيام الثورات ضدهم، فيقول: «قيل في سبب العصمة العثمانية من الفتن وتغلب الأمراء والوزراء التي وقع فيها غيرهم من الدول بعد عصمة الله السابقة في سابق قضائه وقدره، أن ملوكهم في أعصارهم منعوا أن يبايعوا غيرهم في تصرف الملوك والإمارة والمناصب الجليلة والاشتراك في الخطبة والسكة والاستقلال بزمام المناصب واتخاذ الحصون والقلاع، وتسيير الأغربة البحرية، فخصوا بذلك أنفسهم، وميزوا ألقابهم عن ألقاب الوزراء، فما شاركهم في أسباب القوة والعدة وجمع الخزائن الجهادية وغيرها أحد، وقطعوا رأس من تسمى بالسلطان والملك، وقطعوا ولاية العهد بتقديم البيعة، وفهموا الإشارة النبوية في إشتراك البيعة إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر أو كما قال».

وجد مقديش الوقت مناسب هنا لنقل تلك الرواية حول ظهور المهدي في زمن العثمانيين. يقول نقلاً عن مصدر قديم: «سمعت بعض الأولياء نقلاً عن الجفر الجامع (كتاب في الغيب وأحداث المستقبل منسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب) أنه تمتد دولتهم إلى زمان المهدي، ويسلمون الخلافة إليه ويكونون من شيعته وناصري دولته. وسمعت من أثق بقوله أنه ذكر ذلك عند حضرة السلطان سليمان الغازي (هو سليمان القانوني) - رحمه الله تعالى - فقيل له: إن خرج المهدي في عصرك هل تسلم له الخلافة بلا منازعة؟. فقال: أرى نفسي تنازعني في رياسة الخلافة لأنه قيل آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة. فأنظر إلى كمال معرفته بحقيقة النفس الإنسانية حسبما قال الصديق (يقصد النبي يوسف): (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)».

ومن المثير أن عناية العثمانيين بمعرفة مستقبل دولتهم من خلال النبوءات، لم تقتصر عليهم فحسب، بل امتدت حتى إلى خصومهم، خصوصاً في أوروبا المسيحية التى كانت في اقتتال مستمر معهم. يقول محمود مقديش: «قال الشيخ أحمد بن قاسم بن أحمد بن الفقيه قاسم بن الشيخ الحجري الأندلسي (من علماء القرن السابع عشر الميلادي): وأنا أدعو للسلطان مراد (الثالث) ابن السلاطين العثمانيين الذين أشهر الله بركاتهم في أرضه وبلاده، حتى حصلت الروعة الموروثة خوفاً منهم في قلوب النصارى المشركين الكفار، أهلكهم الله وأخزاهم وخذلهم ودمرهم أشد الدمار. وقد شاهدت في كثير من بلادهم وكتبهم وتحققت من خاصتهم وعامتهم أن الخوف الذي في قلوبهم منهم لم يفارقهم في الليل والنهار. وانقطع رجاؤهم الذي كانوا يرجونه أن الدولة العثمانية يكون انقراضها عند السادس عشر من سلاطينهم، واستدلوا على ذلك من قول يوحنا الحواري الذي كتب رابع الأناجيل، ثم كتب كتاباً مرموزاً يسمى بقلبش، فتأولوا بعض رموزه على مقتضة غرضهم الفاسد، ومرادهم الخاسر، فأظهر الله البرهان أن قولهم كان بطلاناً وزوراً، إذ هذا السلطان الموجود الآن الثامن عشر من السلاطين، فزاد الحساب وظهر الغلط فيما تأولوه من الكتاب، وقال علماؤهم: إن من بركات الإنجيل الظاهرة الآن أن يشغل السلاطين العثمانيين عنهم وقد كذبوا، بل من بركات الإنجيل الظاهرة أن نصر الله سلاطين الإسلام على النصارى، حتى يهينهم الله ويهلكهم لعدم إيمانهم بما أمرهم بالإيمان به، لأن من جملة ما أمرهم به تصديق أحمد محمد صلى الله عليه وسلم، لأن عيسى عليه السلام بشر به وأمر بالإيمان به. قال تعالى: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). وقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه)».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع