«زعيم الدونمة في القدس»: اليهود طردوه والأتراك كرموه

شبتاي تسفي - مؤسس الدونمة

شبتاي تسفي - مؤسس الدونمة

كتب: خالد ابو هريرة

مثلت مدينة القدس الشريف، محطة بالغة الأهمية في تاريخ مؤسس الدونمة شبتاي تسفي، بما إنه أعلن نفسه المسيح المنتظر الذي عين لخلاص شعب إسرائيل، وحكم مملكة الرب من القدس، عاصمة أرض فلسطين ومدينتها المقدسة.

في التقرير التالي، نستعرض رحلة شبتاي تسفي إلى القدس، وموقف يهود فلسطين والسلطات العثمانية منها..

يقول الدكتور أحمد حسين عبد الجبوري في كتابه (تاريخ القدس في العهد العثماني) عن دعوة شبتاي تسفي، المسيح الزائف: «في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، وخلال فترة الصراعات المذهبية بين الطوائف في أوروبا، سيطرت على اليهود فكرة الخلاص والتحرر من سيطرة الدول التي كانت تضطهدهم، استلهم اليهود فكرة خلاصهم في توجههم بعقيدتهم من ظهور المسيح الذي ينتظرونه، والذي سوف يخلصهم من المعاناة، ويساعدهم على إقامة دولة كبرى ويرغم العالم على اعتناق الدين اليهودي».

يتابع: «كان على رأس هؤلاء الحاخام اليهودي شبتاي تسفي، مؤسس طائفة الدونمة الذي ادعى النبوة وأنه المسيح المنتظر في العام 1648، كي يقود اليهود في صورة المسيح، وأنه سوف يحكم العالم من فلسطين، ويجعل القدس عاصمة للدولة اليهودية المزعومة».

وفقاً لـ الجبوري، «قام شبتاي بجولة لنشر دعوته بعد أن لقى معارضة شديدة من قبل حاخامات اليهود في ازمير وإسطنبول وسالونيك وأثينا والإسكندرية والقاهرة، خلال الفترة من العام 1651 إلى العام 1662. زادت هذه الجولة من مريديه وأتباعه، في مقابل إعلان حاخامات اليهود في تلك المدن تكفيره ووجوب قتله.. وفي سنة 1663، جمع شبتاي أتباعه وتوجه إلى فلسطين، وفي طريقه اتجه إلى مصر ونزل بها في ضيافة روفائيل جوزيف جلبي الذي كان يعمل رئيس الصيارفة في القاهرة، وكان بالغ الثراء، وأثناء وجوده هناك قام بزيارة القدس فسعى لجعل نفسه محبوباً من قبل اليهود هناك. واطلع على أوضاعهم المتردية، فقام بالتوسط لدى روفائيل جوزيف لمساعدة يهود القدس الفقراء وتسديد ديونهم للسلطات المحلية».

أعقب ذلك سفر شبتاي من جديد «إلى القاهرة لجمع الأموال، وتخفيف الأعباء عن أتباعه ومد يد المعونة إليهم، ونجح في ذلك إذ عاد إلى القدس أواخر سنة 1664 محملاً بالأموال ودخل المدينة في حشد من أتباعه ومريديه. وفي حفل مشهود، أعلن قدوم الخلاص على يديه، وسمى نفسه المسيح المنتظر والمتصرف في مصير العالم كله. ثم طاف على صهوة جواده حول القدس سبع مرات، كما أعلن أن له اثني عشر حوارياً يمثلون أسباط بني إسرائيل، وكان ذلك سنة 1665».

كان أول من آمن بدعوة شبتاي الخطيرة «حاخام غزة ناثان الغزاوي وجماعته. بعد ذلك تقاطرت على شبتاي وفود اليهود من إزمير وأدرنة وصوفيا وألمانيا وجزيرة رودس واليونان. وقامت هذه الوفود بتقليده تاج ملك الملوك واعتقدوا أنه سيحكم العالم من فلسطين». ولكن في مقابل هؤلاء، رفض يهود القدس الإيمان بـ شبتاي واشتكوه إلى قاضي القدس الشرعي. ولكن القاضي المسلم الذي قابل شبتاي برأه من تهمة الخيانة «لأنه أدرك دون شك اختلاله العقلي. وقام شبتاي بإرسال خطابات إلى كل الجماعات اليهودية تبشر بـ شبتاي مسيحاً منقذاً لهم. وقد عارض هذه الخطابات بشدة رجال الدين النصارى، فقام كبار حاخامات اليهود في القدس وثاروا عليه حتى طردوه من المدينة المقدسة».

هرب شبتاي من القدس إلى إسطنبول. ومن المعروف أن الدولة العثمانية لم تتدخل طوال هذه الفترة في قضية شبتاي ظناً منها أنها مسألة داخلية تخص اليهود وحدهم. ولكن إعلان شبتاي إقامته مملكة الرب من العاصمة العثمانية، وتحطيم السلالة العثمانية بمعجزة إلهية، لفت انتباه الأتراك إليه. وقبل أن يتم شبتاي وأتباعه المسير المرتقبة إلى قصر السلطان العثماني لخلعه، قبضت عليه السلطات وأودعته السجن. ثم حوكم في قصر السلطان محمد الرابع بأدرنة، حيث أعلن إسلامه هرباً من القتل. وبعد أن كوفئ على ذلك من قبل محمد الرابع، عاد شبتاي سراً إلى الدعوة لنفسه كمسيح منتظر لشعب إسرائيل، حتى كشف العثمانيون أمره فنفوه إلى البلقان حيث مات أخيراً سنة 1676.

لكن وفاة شبتاي لم يكن معناها نهاية الأفكار التي دعا إليها، فقد تجمع أتباعه في سالونيك داخل مجتمع مغلق أطلق عليه اسم الدونمة، وهي كلمة تركية تعني المرتد. وعاشوا داخل هذا المجتمع حتى القرن التاسع عشر، عندما خرجوا إلى النور من جديد وساهموا هذه المرة في إسقاط الدولة العثمانية نفسها.

لكن قبل ذلك بوقت طويل، وعقب موت شبتاي تسفي بأكثر من عقد «قامت مجموعة يهودية مكونة من ألف وخمسمائة يهودي من أوروبا الشرقية بالسير نحو القدس بقيادة يهودا حاسيد، وكان هو نفسه مؤمناً بأفكار شبتاي، فوصل القدس سنة 1700، وقام بشراء أرض ليبني عليها كنيس (معبد لليهود)، لكنه توفي قبل أن يضع أسس المعبد، فعاد رفاقه من حيث أتوا خائري العزم والقوى، وتشرد من بقي منهم في المدن الفلسطينية».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع