الأتراك في حرب البلقان: «من مراقصة البلغاريات إلى الموت جوعاً وذبحاً»

جنود أتراك في حرب البلقان

جنود أتراك في حرب البلقان

كتب: خالد أبو هريرة

بعد نجاحها في الإطاحة بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني في انقلاب العام 1908، روجت جمعية تركيا الفتاة لقدرتها على انتشال الدولة العثمانية من انحطاطها العسكري ووضعها على قدم المساواة مع القوى الأوروبية الكبرى. ولكن الاختبارات الثقيلة التي ووجهت بها الجيوش العثمانية ومعها قادتها من ضباط الجمعية، والتي وقعت سريعاً عقب سنوات قليلة من نجاح الانقلاب، سرعان ما خلفت نتائج مغايرة تماماً. ففي العام 1911، خسر الأتراك ليبيا إلى الأبد أما الغزاة الطليان. ثم بين عامي 1912 و 1913، تلقت العسكرية العثمانية خسارة فادحة أمام حلف من الأمم البلقانية (بلغاريا، الجبل الأسود، اليونان، صربيا)، خسرت على إثرها الوجود العثماني التاريخي في شرقي أوروبا.

ورغم أن حرب البلقان اندلعت عقب الهزيمة التركية في إيطاليا، فإن ضباط تركيا الفتاة كانوا لا يزالون وقت اشتعالها على غرورهم العسكري القديم، وتفاؤلهم الكاسح بالنصر المحقق. هذا على الرغم من ضعف استعداداتهم الحربية للمعارك الطاحنة المرتقبة، والتي كان من المرتقب أن تحدد مصير شبه جزيرة البلقان لسنوات طويلة تالية.

يقول الأديب اللبناني يوسف البستاني في كتابه (تاريخ حرب البلقان الأولى): «أرسلت حكومات صوفيا وبلغراد وأثينا إعلان الحرب إلى معتمديها بالأستانة في السابع عشر من شهر أكتوبر؛ لأنها لم تشأ أن تضيِّع الوقت الثمين بعد أن تم حشد جيوشها. ولما كان الضحى من اليوم التالي؛ أي ١٨ أكتوبر ذهب المعتمدون البلقانيون إلى وزارة الخارجية العثمانية ورفعوا إليها بلاغ دولهم، وهو يتضمن أن العثمانيين هم الذين أتوا عدة أسباب للعدوان منها الاستيلاء على كثير من البواخر اليونانية، وعلى الذخائر والمعدات الحربية التي كانت مرسلة إلى الصرب، ثم الاعتداء على الحدود البلغارية والحدود الصربية، وخُتم البلاغ بالعبارة الآتية: نرانا مع الأسف مضطرين إلى تجريد سيوفنا».

لم يكن الأتراك مستعدين عسكرياً بأي حال لحرب شاملة في البلقان. والبستاني يقول: «كان إعلان الحرب البلقانية قبل أن يتم حشد الجيش العثماني كما روى الضابط الألماني هوشوختر الذي رافق دولة محمود مختار باشا (قائد الفيلق العثماني الثالث في حرب البلقان)، ولكن الآمال كانت كبيرة في الأستانة، والمراجع العالية كانت تلتهب شوقًا إلى إظهار قوة الجيش العثماني كما قال أيضًا ذاك الضابط الألماني. ثم إن الجيش نفسه كان يتوق إلى القتال بعد أن وقف أشهرًا عديدة أمام الحرب الطرابلسية وهو لا يستطيع الوصول إلى أولئك الأعداء الذين هجموا على طرابلس (يقصد الطليان)، وكل من وقف على الجرائد الأوروبية الكبرى يعلم أن عددًا غير قليلٍ من القواد ولا سيما القواد الألمانيين كانوا يرجحون أن طالع الجيش العثماني سيكون سعيدًا في المعارك المقبلة».

ثم ينقل الأديب اللبناني شهادة أحد الصحافيين الفرنسيين الذين وقفوا على التجهيزات العسكرية العثمانية للحرب، وهو «المسيو استفان لوزان رئيس تحرير الماتين الذي كان في عاصمة السلطنة أيام سفر الجنود العثمانية إلى مواقع القتال.. قال في مؤلَّفه المسمَّى (عند سرير تركيا): إني سألت الموسيو جورج ريمون الذي كان مع الأتراك في طرابلس عن عددهم هناك، فقال لي: إني أُوكد لك كل التأكيد أنهم لم يكونوا في طرابلس أكثر من ١٧٠٠ تركي، فعجبنا وأخذنا نتساءل قائلين: إذا كان ١٧٠٠ تركي قاوموا مائة ألف رجل طلياني فأي عدد تحتاج إليه الحكومة التركية لقهر ٢٠٠ ألف بلغاري، ولكن الحرب هي - لفرط الأسف - أبعد شيء عند حساب الحاسبين».

ويستعين البستاني بحكاية طريفة أوردها لوزان عن الجنود الأتراك المتجهزين للحرب، تشير إلى مقدار الثقة المفرطة التي كانوا عليها قبل دخول ساحات القتال ضد البلقانيين. يقول: «ثم روى لوزان حديثًا يدل على الحالة النفسية التي كانت عليها جنود الرديف، قال: ذهبت إلى مقربة من سان استيفانو؛ تلك المدينة الصغيرة التي اكتسبت صفة تاريخية مضاعفة بنزول الجيش الروسي فيها سنة ١٨٧٨، ثم بدخول الجيش الذي قدم من سلانيك سنة ١٩٠٩ (لتأييد الدستور)، فوجدت خمسة عشر ألف جندي عثماني معسكرين، ولما وصلت كانوا جالسين جماعات جماعات على شكل حلقات، بعضها يحيط بضابط يشرح بعض النظريات، والبعض يجهز المعدات، وهم عامرو البنيان كبيرو الجثمان كالذين رأيتهم في الأستانة، فدعوت إلى أحدهم بعد استئذان ضابطه وسألْتُه: من أين أنت؟
– من أنقرة.
– كم يوم قضيتم في السفر إلى هنا؟
– سبعة أيام.
– هل تركت عددًا من الجنود وراءك؟
– ألوفًا كثيرةً.
– كم تقبض من النقود في اليوم؟
– ثلاثة قروش.
– وهل تُدفع إليك؟
– بانتظام.
– متى تؤمِّل الرجوع إلى أنقرة؟
– بعد شهرين، فإنا قادمون لنزهةٍ حربيةٍ.
– هل تأسف على شيءٍ تركته وراءَك؟
– نعم، آسف على الموسيقيين، ولكنهم لا يلبثون أن يصلوا، ونحن محتاجون إليه لنرقص بنات البلغار على نغمات موسيقاهم».

ولا شك أنه كان من حسن طالع الموسيقيين عدم مرافقة الجنود الأتراك إلى ساحات الوغى، والتي تلقت فيها الدولة العثمانية خسارة فادحة بعيدة الآثار. ولا يخبرنا يوسف البستاني عن مصير ذلك الجندي العثماني الذي توقع مراقصة بنات البلغار، فلم تلاقيه سوى بنادق رجالهم: هل قتل في الحرب الوحشية ضمن الآلاف الذين ماتوا فيها جوعاً أو ذبحاً، أم عاد إلى موطنه في أنقرة يحكي في خوف عن المآسي التي تعرض لها رفاقه؟.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع