عقيدة الانكشارية: هل تخبرنا بـ«تشيّع» العثمانيين؟

الانكشارية

الانكشارية

كتب: خالد أبو هريرة

رغم أن الدولة العثمانية تقدم في العادة عبر الأدبيات التاريخية كآخر الممالك السلالية «السنية» التي حكمت العالم الإسلامي قبل العصر الحديث، فإن الوقوف على العقيدة المذهبية للانكشارية، الفرقة الأشهر على الإطلاق في التاريخ العثماني، يمكنها أن تبرز جانباً «شيعياً» موازياً للعثمانيين، لا يقل قوة قوة عن نظيره السني، بل ربما حتى يتخطاه بما أن الانكشارية مارسوا هيمنة كبيرة على السياسات العثمانية بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر الميلاديين.

في الأصل، كان الانكشارية يجمعون من الأطفال المسيحيين الذين تقدمهم القرى في شبه جزيرة البلقان، ضمن ما يعرف باسم نظام الدوشرمة. وبعد جلبهم إلى العاصمة العثمانية: بورصة ثم أدرنة ثم إسطنبول، كان أولئك الأطفال يعتنقون الإسلام، ويتلقون تعليماً عسكرياً شديد الخصوصية يحيلهم جميعاً إلى مقاتلي نخبة، مهمتهم الرئيسية قيادة الجيوش العثمانية في جبهات القتال المتعددة.

وبما أن انتزاع الدوشرمة من سياق ديني/ثقافي إلى سياق آخر كان يتطلب تنشئة عقدية غير عادية، تجعل ولاء المقاتل الانكشاري للسلالة العثمانية ولا شيء سواها، فإن المتصوفة المسلمون، وليس الفقهاء السنة، كانوا هم من تولوا تدريب الانكشارية عقب اعتناقهم الإسلام صغاراً. وذلك لأن التصوف بمعانيه الرمزية ورؤاه الباطنية كان الأقدر على تهيئة عقول هؤلاء للمهمة الجسيمة التي كلفوا بها.

ومن بين كل الطرق الصوفية التي انتشرت في التاريخ العثماني، كانت الطريقة البكتاشية هي التي ارتبطت بالانكشارية منذ البداية وحتى النهاية. وقد أثر عن البكتاشية تلك هواها الشيعي الذي لا يخفى، والذي جمع بينها - وبالتبعية جمع الانكشارية - مع الشيعة الاثنى عشرية في المعتقد والرمز.

يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي عن علاقة البكتاشية بالانكشارية في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث): «صادف في بداية تأسيس الجيش الانكشاري أن جاء إلى تركيا من خراسان رجل صوفي علوي النسب اسمه الحاج محمد بكتاش ولي، فسكن في القرية التي تسمى اليوم باسمه على بعد 180 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من أنقرة. وحين علم السلطان أورخان بأمره، أراد أن ينتفع من بركته ليشمل بها جيشه الجديد، فقصده بنفسه ومعه أفراد من الجيش، وقام الحاج بكتاش بما ينبغي في هذا الشأن حيث وضع يده على رأس أحد الجنود، وقطع شيئاً من قبائه فجعله على رأس الجندي، ثم قدم لهم علماً أحمر يتوسطه هلال وسيف ذي الفقار، وأخذ يدعو الله أن يبيض وجوههم وأن تكون سيوفهم بتارة وأن يفوزوا بكل غزوة بالظفر. وأطلق الحاج بكتاش على الجيش اسم (يني جري) أي الجيش الجديد، وهو الاسم الذي صار فيما بعد علماً على الجيش ثم حُرف في اللغة العربية فأصبح الانكشاري».

وعن عقيدة البكتاشية يقول الوردي: «يبدو أن الطريقة البكتاشية هي مزيج من التصوف والتشيع، فهم يؤمنون بالأئمة الاثنى عشر إيماناً شديداً لا يخلو من غلو، والملاحظ أن محور التقديس لديهم هو علي بن أبي طالب، فهم يعدونه النموذج الأعلى للإنسان الذي تظهر فيه الحقيقة الإلهية، وهم كذلك يؤمنون بغيبة الإمام الثاني عشر ويترقبوا ظهوره. ومن أدعيتهم المعروفة دعاء (نادِ علياً مُظهِر العجائب). وهم يدعون به في النوائب اعتقاداً منهم أن علياً سينجدهم كما أنجد النبي في معركة أحد. ففي عقيدتهم أن النبي عندما جرح في تلك المعركة، قرأ الدعاء بأمر من جبرائيل فشفي».

يتابع مقارناً بين مذاهب البكتاشية والشيعة الاثنى عشرية: «والبكتاشية يتمسكون بمبدأ (التولي والتبري) المعروف عند الشيعة - أي ولاية أهل البيت والبراءة من أعدائهم - ولكن السؤال الذي يواجهنا في هذا الصدد: هل هم يعترفون بالخلفاء الثلاثة الذين تولوا الأمر قبل علي أم يتبرأون منهم؟. الواقع أن هذه ناحية غامضة في العقيدة البكتاشية، ومن الصعب التثبت منها».

يردف: «يرى الدكتور بيرج الذي اختص بدراسة الطريقة البكتاشية أنهم يعتبرون الخلفاء الثلاثة من أعداء أهل البيت ولهذا فهم يتبرأون منهم. ولكنه يعود فيذكر قصة نقلاً عن أحد كتب البكتاشية تدل على خلاف رأيه هذا. وخلاصة القصة أن علياً أراد في حياة النبي أن يسأله عن الخلفاء من بعده ولكنه استحى من السؤال فطلب من معاوية أن يسأل النبي بدلاً عنه. ولما سأل معاوية النبي كان جوابه أن الخلفاء من بعده هم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وحين وصل النبي إلى ذكر الخليفة الرابع لم يفصح عن اسمه، بل قال إنه الي سأل السؤال وذلك لأن النبي كان يعلم بأن علياً هو صاحب السؤال، ولكن معاوية ادعى أنه الخليفة الرابع بحجة أنه هو الذي قام بالسؤال فعلاً».

يقول الوردي معلقاً على تلك القصة: «إن هذه القصة تدل على أن عقيدة البكتاشية في الخلافة تقرب من عقيدة أهل السنة. وقد جاء في كتاب (الرسالة الأحمدية) الذي ألفه أحمد سري دده بابا - شيخ مشايخ البكتاشية في الوقت الحاضر (أي زمن علي الوردي، في خمسينيات وستينيات القرن العشرين) - قوله: إن المريد البكتاشي يجب أن يكون من أهل السنة والجماعة. وهذا يعني أن البكتاشية يعترفون بالخلفاء الثلاثة ويقدسونهم، ولا ندري هل قال الشيخ ذلك عن إيمان أم قاله تقية؟».

وسواء كان الأمر إيماناً أم تقية، فمن الثابت أن البكتاشية - ومعهم الانكشارية - ظلوا على مذهبهم المتشيع حتى تحطيم الفرقة الانكشارية بأمر السلطان العثماني محمود الثاني العام 1826. أما الفترة الطويلة التي سبقت ذلك، فإن آل عثمان صمتوا على معتقد الانكشارية، بل وربما حتى شاركوهم فيه في بعض الأحيان. ولم تقترن الدولة العثمانية في الحقيقة بالإسلام السني سوى عقب غزو السلطان سليم الأول مصر والشام خلال القرن السادس عشر الميلادي، ثم اندلاع الصراع على العراق ومناطق شرق الأناضول بين تركيا العثمانية وإيران الصفوية، وحاجة الأتراك إلى غطاء أيديولوجي «سني» لمقابلة الغلو الشيعي الصفوي.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع