حكاية «أناشيد التطرف»: الدعاء في الصلاة للأتراك فقط دون باقي المسلمين

انقلاب تركيا الفتاة 1908

انقلاب تركيا الفتاة 1908

كتب: خالد أبو هريرة

بعد احتكارها السلطة في الدولة العثمانية عقب انقلاب العام 1908، شرعت جمعية تركيا الفتاة في تنفيذ سياسة قومية متطرفة أطلق عليها اسم (الطورانية)، نسبة إلى أرض طوران المسكن الأصلي للأمم التركية في مناطق آسيا الوسطى، هدفت إلى تأسيس إمبراطورية تركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية يكون فيها التفوق والغلبة للعرق الطوراني (التركي) وحده.

ولما كانت الدولة العثمانية في بدايات القرن العشرين محتشدة بالأمم والأعراق غير التركية، وكانت كلها تقريبًا قد تشكلت لديها الرغبة في الاستقلال بصورة أو بأخرى، فقد سعى أعضاء تركيا الفتاة إلى تتريك تلك العناصر، خصوصاً الأجيال الصغيرة الناشئة عن طريق التعليم. ولكن قبل تنفيذ مثل تلك الخطة، شرع هؤلاء في قلب الشعب التركي نفسه إلى القناعات القومية الطورانية.

في كتابه (ثورة العرب)، رصد المؤرخ القومي العروبي أسعد داغر، خطوات تركيا الفتاة إلى «قومنة» الأتراك، والتي اشتملت على تأسيس جمعية قومية متطرفة في إسطنبول هي «ترك أوجاغي» - أي القلب التركي - أصبحت مشرفة على المدارس المدنية والعلمانية عبر البلاد، ووضعت لها مناهج وخطط عمل لتأسيس وعي قومي متطرف لدى النشء الصاعد.

يقول داغر: «أدخلت الحكومة في برنامج مدارسها العالية، ولا سيما المدرسة الحربية ومدرسة أركان الحرب في الأستانة درس تاريخ التورانين وعلومهم الحربية وآدابهم وأنظمتهم، وعهدت إلى أحمد أجاييف بك وأمين بك وخالد ضياء بك وحمد الله بك إلقاء محاضرات يومية في هذه المواضيع على تلامذة المدارس الحربية ومدارس الحقوق والطب والهندسة وغيرها، وترسيخ الفكرة التركية في نفوسهم، واستعاض التلامذة في جميع المدارس الابتدائية والإعدادية والعالية من الكتب العصرية بمجموعة «ترك يوردي» — المملكة التركية — وكتاب ترك قليجي — السيف التركي — وتاريخ توران وتاريخ تيمورلنك وهولاكو وجنكيز خان وغيرهم».

كانت الأناشيد التي يرددها طلاب المدارس التركية في الصباح أحد أشد الأدوات لتثبيت العقيدة الطورانية في نفوسهم. وقد ترجم أسعد داغر مجموعة من تلك الأناشيد في كتابه. يقول: «في كل يوم يجتمع تلامذة المدارس الحربية في ساحات مدارسهم ويستلون سيوفهم وينشدون نشيدهم الوطني الذي يبتدئ بهذه الأبيات:

جنكز خانك بايراغي
آنلي شانلي صانلاندي
آيت خانك بايراغي
حربده بويله اكلاتدي
أي: لقد تموجت أعلام جنكيز خان في جو المجد والشرف، وأرشدتنا أعلام آيت خان إلى نهج هذا الطريق المجيد في الحرب».

بل إن تركيا الفتاة وفقاً لـ داغر، استعانت بالأناشيد نفسها داخل جوامع تركيا، وبدلاً من الدعاء لعموم المسلمين، اقتصر الدعاء للعرق التركي فحسب. يقول داغر: «الأغرب من هذا كله الدعاء الجديد الذي ألفتهُ جمعية «ترك يوردي»، وجعلت الترك يستعملونه في منازلهم ومدارسهم، وقد قررت أخيرًا استعماله في الجوامع في الأستانة والأناضول، وهذه ترجمته:

أيها الإله القادر على كل شيء، أنعم على الترك بالصحة والعافية، وأحسن إليهم بذئب أبيض، واشملهم برعاية مولانا السلطان الأعظم.
وأنت يا مملكة توران الجميلة المحبوبة، أرشدينا إلى الطريق المؤدية إليك؛ لأن جدنا أوغوز الكبير ينادينا.
أيها الإله القادر على كل شيء، أنر طريق توران أمامنا، واجعل أمتنا كالورد الناضر، واهدنا الصراط المستقيم».

أورد المؤرخ العروبي، كذلك مجموعة أناشيد طورانية اخترعتها تركيا الفتاة لصالح الجيش العثماني، كلها تمجيد للعنصر التركي. يقول: «أما الجيش العثماني فمعظم ضباطه وجنوده الترك من الاتحاديين ومن المنتسبين إلى جمعية ترك أوجاغي، وهم يحتقرون الضباط والجنود من أبناء العناصر العثمانية الأخرى، ولا يسمون الدولة إلا الدولة التركية، وينفرون من تسميتها الدولة العثمانية؛ لاعتقادهم أن البلاد العثمانية غير التركية ليست إلا مستعمرة فتحها الترك بالسيف، وهذا نموذج من الأناشيد الحماسية التي يترنمون بها في الجيش:

بزتركز سن تركلكه امانتسك
هيج قورقمه هب اولورسني ويرميز.
أي: نحن ترك وأنت «يا آسيا» أمانة بيد الترك، فلا تَخْشَيْ شرًّا؛ لأننا نفديك بأرواحنا».

هناك أيضاً نشيد كان لفظه:

«اي ترك كنجي يتيشير ارتق اويومه
قوش كويلينك امدادينه دورمه.
أي: انهض أيها الفتى التركي، فقد نمت طويلًا، وأسرع في الحال إلى إمداد بلاد أجدادك.
انتقامي آله مزسك تركلك بزه نافله
صوصتره لم بايقوشلري يتيشر بوولوله.
أي: لا يحق لنا أن نُدْعَى أتراكًا ما لم ننتقم من أعدائنا، فلنسكت اليوم عن نعيقه، وليكفنا ما سمعناه من الضجيج والنحيب».

وكذلك:
«آل بايراغك التنده انآلرم يورودي
كوك بايراغك التنده يكي توران بيودي.
أي: لقد سار أجدادنا إلى المجد تحت العلم الأحمر الذي هو مصدر عظمة توران الجديدة».

وكذلك:
«يورين طاغلر اينسين التون اردوشان ويرسون
آل بايراق! يا نغينلر اوزرنده يوكسلسك.
أي: سيروا لتنبسط الجبال وتكسبنا جيوش التاي الشرف، فإن مجدنا سيشاد تحت العلم التركي على الأنقاض والحرائق».

وأخيرًا:
«بزايغورز دونميز قوناغمز طاغ اوه
تركز بزمدر اسيا تركز تركز هبمز.
أي: نحن سعداء، فلا نرجع عن سيرنا إلى الأمام؛ لأن مسكننا الجبال والبطاح، نحن ترك، وآسيا كلها لنا، نحن أتراك أتراك كلنا».  

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع