الأتراك في المحروسة: «مغرورون والمصريون أذكى منهم»

العثمانيون

العثمانيون

كتب: خالد أبو هريرة

في كتابه (قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية) والمرتب على حروف المعجم، أفرد المفكر والأديب المصري أحمد أمين مادة عن الأتراك - العثمانيون منهم على وجه التحديد - يؤرخ عبرها لوجودهم في المحروسة، ويعرف بطبائعهم وصفاتهم الشخصية، إضافة إلى ذكر علاقاتهم بالمصريين، السكان الأصليين للبلاد.

وجاءت من الطرافة والتكثيف وبساطة اللفظ بحيث يمكن عدها الأفضل في بابها، والأقدر - رغم صغر حجمها - على تبيان نظرة المصري إلى العثمانيين الأتراك الذين حكموه لثلاث قرون متتالية.

المصريون أذكى منه
يعرف أحمد أمين، العثمانيين الأتراك أولًا فيقول: «كانوا عنصرًا كبيرًا يمثل طبقة الأرستقراطية من المصريين، وكانوا يأتون من الأناضول أو إسطنبول أو غيرهما، ويُعَدُّ المصريون أذكى منهم، ولكنهم يمتازون بالترفُّع والتكبر وحب السلطة والعناد، وهم ينظرون إلى سائر المصريين نظرة فيها احتقار على أنهم خُلِقُوا من دَمٍ أقل من دَمِهِمْ، ولذلك يطلقون عليهم اسم فلاحين مقرونة بالازدراء، وقد عُرفوا بالنظافة في بيوتهم وملابسهم كما عرفوا بالترف والنعيم والعيشة الواسعة».

تدينه شكلاني
وعن علاقة الأتراك بالإسلام، والتي بناها المصريون على أساس الملاحظة المباشرة، يقول أمين: «اشتهر التركي بتدينه، ولكن تدينًا شكليًّا تنقصه روح الإسلام فهو يُعنَى بالأدب أمام تلاوة القرآن، وبإقامته الصلاة أكثر مما يُعنَى بتحري العدل ورفع المظالم وعدم الرشوة، ويعتقد أنه إذا ارتكب هذه الجرائم كلها، يرفعها عنه بناء مسجد أو سبيل أو مدرسة».

لا يرضى بثراء المصري
اتسمت الصلات بين المصريين والأتراك في معظم الوقت بالاضطراب كما هو الحال بين أي غازٍ متغلب وشعب مغلوب على أمره. يقول أحمد أمين: «مع الأسف لقي منهم المصريون الأَمَرَّيْنِ (يقصد الأتراك). ومن أمثالهم المشهورة (آخر خدمة الغُز علقة) والغز طائفة من الأتراك، وهو يمثل الإحساس الذي يحسه المصري إزاء التركي».

ويورد أمين حكاية على لسان صديق تركي له، تكشف عن طبيعة العلاقة التي جمعت بين المصريين والأتراك، ورفض الأخيرين للارتقاء الاجتماعي الذي ناله المصريون بدءاً من عصر محمد علي باشا. يقول: «أخبرني صديق من أبناء الأتراك هؤلاء قال: خرج والدي ذات يوم بموكب كالمعتاد وأراد أن يريني سلطانه، فنظر إلى اليسار وكُنَّا نسير على النيل، فرأى أحد الفلاحين، يركب ذهبية جديدة يجرها أربعة من الفلاحين بالحبال، فصاح أبي في الفلاحين أن قفوا، وأمرهم أن يجروا الذهبية إلى البر ففعلوا، ورأى الغني هذا المنظر فنزل، وجاء لأبي فقال له أبي: متى كان الفلاح يركب ذهبية جديدة؟

الغني: مراحمكم وعدلكم ومراحم أفندينا خديوي مصر وعدله، جعلتنا نستريح ونطمئن ودا شيء يفرحكم ودا خير يسركم.

والدي: لكن كيف يجوز للفلاحين أن يتشبهوا بأسيادهم ويركبوا الذهبيات؟

الفلاح: الحمد لله إحنا بنجري ونلعب على حسكم وفي ظلكم وظل أفندينا، والعبد وما ملكت يداه لمولاه فأنا عبدكم وعبد أفندينا والذهبية ملككم وملك أفندينا.

والدي: أنا أقول لك كيف تجاسرت وتشبهت بأسيادك وركبت ذهبية.

الفلاح: أستغفر الله العظيم أن أكون أريد التشبه بكم.

والدي: إذا كنت لا تريد التشبه بنا فلماذا اشتريت الذهبية، وركبتها في البحر كأنك من أسياد البلد؟ وتريد أن يشوفك الفلاحون ويقولون دا له شأن ومقام.

الفلاح: يا سيدي إن كان لي مقام فهو بفضلكم أنتم وأفندينا.

والدي: الفلاح من نسل فرعون وفي المثل ليه يا فرعون اتفرعنت، قال: ما لقيت أحدًا يردني.

الفلاح: أستغفر الله إن كنتم ترون أن في ذلك عيبًا فإني أُشْهِدُ اللهَ ورسولَه أن لا أعود لركوبها أبدًا، وتبت إلى الله على يديك.

والدي: توبتك مقبولة، ولكن يلزمها تفكيرة.

الفلاح: لا وراسك وراس أفندينا ما أنساها أبدًا.

والدي: لا لا، لا بد من تفكيرة ولو صغيرة … يا ولد، حضر الخدامون.

والدي: اربطوه من ذراعيه، وهاتوا النسوان اللي بيملوا البلاليص دول، وروحوا خليهم يرشوا الأرض حتى تصير وحلة، واسحبوه فوق الوحل ذهابًا وإيابًا ليعرف أولًا قيمة الثياب التي يلبسها، ففعلوا ذلك، وأمر بضربه العلقة، حتى سال الدم من رجليه وركبتيه وظهره، وقال له والدي: إن شاء الله ما تنساش، مع أن هذا الفلاح كان غنيًّا كبيرًا ولا أحب أن أذكر اسمه.

لا يطيق أن يرأسه مصري
وضمن الحقيقة السابقة كتب أحمد أمين أيضًا: «كان التركي لا يطيق أن يترأس عليه مصري، ومرة عين رجل تركي (أمير ياخور)؛ أي مفتشًا على المواشي وكان رئيسًا عليه مفتش مصري لزراعة الباشا فأمره مرة أن يرسل بهيمتين من مزرعة إلى مزرعة، فأبى وادَّعى أنه هو الرئيس مع أن مرتبه كان ضعيفًا أي مبلغ ١٧٥ قرشًا، فأمر المفتش الكلَّافين أن يذهبوا بالماشيتين إلى المزرعة الأخرى ففعلوا فذهب التركي معهم وأبى عليهم أن يستخدموا الماشيتين، وسحب بندقيته وأبى إلا أن يأخذ أجره ويترك هذا العمل ففعلوا معه ذلك».

ويعقب المفكر المصري على ما سبق قائلاً: «والحكايات على ألسنة الناس كثيرة في غطرسة التركي وسوء معاملته للفلاح، وعناده، وضيق عقله وضربه العلقة للفلاح لأتفه سبب، حتى اشتهر عن فلان باشا أنه كان يأمر بضرب الفلاح أو الموظف ثم يأخذ في صلاته».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع