«تجنيد اللقطاء والرقاصين»: هكذا انهار جيش الانكشارية

رقاصون في منمنة عثمانية

رقاصون في منمنة عثمانية

كتب: خالد ابو هريرة

قبل زمن طويل جداً من تخلص السلطان العثماني محمود الثاني من الانكشارية في مذبحة الواقعة الخيرية الشهيرة في إسطنبول (1826)، كانت فرقة المشاة البارزة قد تحولت فعلاً من أكثر قطع الجيوش العثمانية انضباطاً ومهابة وفاعلية، إلى أحد أبرز أسباب الانحطاط العسكري للعثمانيين، وانتشار الفوضى وغياب الأمن الذين ضربوا غالبية مدن الإمبراطورية. في المقال التالي، أقدم عوامل هذا التحول الجذري الذي ترك أثره البالغ على مستقبل الدولة العثمانية، استناداً على ما سجله المفكر والمؤرخ السوري الكبير محمد كرد علي في الجزء الخامس من كتابه (خطط الشام).

في البداية، يعرف كرد علي الانكشارية فيقول: «هو الجيش الذي ألفه السلطان أورخان بن عثمان باقتراح الوزير قره خليل جندرلي على أن يؤلف من أولاد المسيحيين من العثمانيين كـ البوشناق والروم والصرب والبلغار والألبان. يجندون حسب اللزوم بموجب قانون التجنيد المعروف عندهم بقانون اللقطاء (الدوشرمة)، وذلك من أهل الروم ايلي (البلقان) ومن سكان الأناضول على قلة. ويعفى من ذلك الأرمن وسكان جزيرتي ساقز ورودس، يأخذونهم من أهلهم من سن العاشرة إلى الخامسة عشرة ويستثنى من ذلك المتزوجون الفتيان، ويربونهم تربية إسلامية ثم يجعلونهم في الثكنات في الأستانة، ومنهم من يخدم في قصور السلاطين في أعمال البستنة وغيرها، ومن يتعلم سبع سنين اللغة التركية حتى يصبحوا مسلمين أتراكاً ثم ينقلون إلى العاصمة. وكثير من ارتقوا في مناصب الدولة حتى أصبحوا وزراء وقواداً عظاماً وخدموا العثمانيين خدمة عظيمة، لأن الأتراك الأقحاح على الأغلب كانوا يفرون من تعليم أولادهم، وإن كان الآباء عظماء في السلطنة. فانتقلت الأحكام بالطبيعة إلى أيدي فئة المتعلمين هؤلاء من الانكشارية».

يتابع: «ولما أسس أورخان هذا الجيش قصد ذات يوم اماسية ، وكان فيها رجل من الصلحاء اسمه حاجي بكتاش، والتمس منه أن يسمى هذا الجيش فسماه الولي العسكر الجديد (يكي جري) ودعا له بما معناه: بيض الله وجوههم، وقوى سواعدهم، وأرهف سيوفهم، وأهلك الأعداء بسهامهم، وكتب لهم الغلبة والتوفيق. قال هوار: ذهب قره خليل جندرلي في تأليفه هذه الكتائب من المشاة بهذا الفخر، وكان تأليفها في عصر كانت أوروبا فيه في القرون الوسطى، وليس لها من الجيوش غلا عصابات مسلحة، بل وقبل تنظيم كتائب الرماة في إنجلترا، وقبل أن يؤسس شارل السابع ملك فرنسا جيشاً دائماً تحت الطلب بقرن واحد».

رغم ذلك، فإن ابتكار جندرلي العسكري كان يتنافى مع الشريعة الإسلامية «التي لا تجيز للملك أن يكره الذميين على استرقاق أولادهم، واتبعوا فيه العرف والمصلحة». وقد «كان عدد جيش الانكشارية لأول تأسيسهم ستة آلاف جندي وقيل ألف جندي، ثم جاوزوا المائة ألف وقائدهم العام آغا الانكشارية، وهم يقسمون إلى كتائب وتتألف كل كتيبة من مائة إلى خمسمائة مقاتل، يعلمون في الولايات على الكر والفرن ويستخدم بعضهم في خدمة الولاة أو في مزارع أرباب اٌطاعات أو في حوانيت أرباب الصنائع. ويعيش أفراد هذا الجيش من رواتب طفيفة هي اقجة واحدة لكل فرد في اليوم. وتزيد إذا أثبت المقاتل في الحرب كفاءة، ويقبضون ذلك مرة كل ثلاثة أشهر بأبهة وطنطنة، وتوزع الإقطاعات على المبرزين منهم من الضباط وغيرهم يعيشون بها زمن السلم، ويقضى عليهم في الحرب أن يجهزوا أنفسهم على نفقتهم».

ظل الانكشارية على هذا الوضع الرائع حتى أواخر القرن السادس عشر الميلادي عندما دخل السلاطين من آل عثمان في طور الانحطاط، وقرروا إلغاء نظام الدوشرمة الذي كان سبباً رئيسياً في تفوقهم العسكري الأول، واستبداله بنظام يقبل بانضمام أبناء المسلمين الأحرار وأصحاب الحرف اليدوية وحتى العاملين في المهن المحتقرة إلى العسكر الانكشاري، وهو ما أفقد الأخير تماسكه وانضباطه، والأهم ولائه الشديد للسلالة العثمانية.

يقول كرد علي: «أخذ هذا الجيش يفسد على عهد مراد الثالث لأنه أباح في سنة 1582 بقبول الرقاصين والمصارعين في الدخول فيه. وبعد ذلك أخذ يدخل في سلكه أخلاط من كل صنف من الناس بالشفاعات والرشى ليستفيدوا من امتيازات الانكشارية. وفي سنة 1740 صدر الأمر بأن تباع العلوفات للانكشارية بدلاً من أن تفرق عليهم، فضعفت قوة الجندية فيهم بعد أن أصبحوا لا يقبضون من العلوفات وتحولوا للعيش بالنهب والسرقة». لقد أصبح الانكشارية أقرب ما يكونوا إلى جيش «من الأسرى على الأصول الإفريقية الجديدة، وكان ذلك من أسباب تسرب الفساد إليه».

في سنوات الانحطاط تلك، دخل الانكشارية في صراع عنيف مع سلاطين الدولة العثمانية أنفسهم، وحاربوا أي محاولة من قبل الأخيرين للإصلاح العسكري في الإمبراطورية. وقد بلغ هذا الصراع ذروته في العام 1807 عندما أقدم ضباط وجنود الانكشارية على قتل السلطان سليم الثالث صاحب أول محاولة لتحديث الجيوش العثمانية على النمط الأوروبي، ليعيشوا بعدها نحو عقدين من الزمن، يحسبون أن الدولة أصبحت طوع بنانهم، دون أن يخطر ببال أي منهم أن السلطان الجديد محمود الثاني يعد لهم مذبحة كبرى تسقطهم جميعاً - وكانوا بالآلاف - بضربة واحدة.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع