«ابن مغسل الأموات أصبح باشا»: حكاية آخر العثمانيين في الجزائر (2)

حسين باشا، داي الجزائر

حسين باشا، داي الجزائر

كتب: خالد أبو هريرة

بعد أن أصر آخر حكام العثمانيين في الجزائر ، الداي حسين باشا، على موقفه المتصلب من الفرنسيين، بعث إلى رسول الأخيرين في الجزائر - وكان ينتظر رداً ليبلغه دولته - يأمره بالخروج فوراً من البلاد، وهو ما كان يعني إشارة من الباشا بقبول الحرب مع فرنسا.

يقول المؤرخ التونسي ابن أبي الضياف في كتابه «إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان»، «تأخر الرسول الفرنسي وهو ينتظر طيب الهواء (يقصد انتظار اللحظة المناسبة لركوب البحر)، فأطلق عليه حسين باشا مدفعاً بالكور، إشارة إلى أنه لم يقلع يتوالى على الكور من البرج. فسافر بالخبر للدولة (الفرنسية)، فاستعدت لقتال الجزائر. لكنها لم تترك السياسة أيضاً على مقتضى الشروط العثمانية. فكاتبت الدولة العثمانية بذلك، وبأنها إن لم تحصل على جزاء، تطلب حقها بنفسها، وبذلك لا يكون الفرنسيس متعدياً على مقام الدولة ولا رافضاً شروطها. وأخبرت فرنسا الدول أنها أحضرت أسطولاً يحاصر مرسى الجزائر، وأعلمت بذلك أبا عبد الله الباشا حسين باي صاحب تونس، وفي إعلامها حذرته وخوفته وقال له: (إن أردت الأمان على بلادك فكن في هذه النازلة حبيباً للفريقين، وإن أعنت الجزائر من البر تكن حرباً لنا مثلها)».

يتابع: «ثم إن الفرنسيس أتى الجزائر بجنود لا قبل لهم بها، ونزل من مرسى سيدي فرج بلا تعب، وشقوفه تحمي بمدافعها النازلين، حتى تم نزولها وحصنوا مضربهم. هذا والباشا لم يعظم عنده نزولهم للبر، وسولت له الأطماع أخذهم بلا مشقة، واغتر بحصون الجزائر.. وما درى المسكين أنه في جمع قلة، وعصبة منحلة، وطاعة مختلة. لأن أهل الجزائر وأعرابها وهم السواد الأعظم سئموا سطوة جند الترك. وبلغ السيل الزبى، وزهدهم ذلك في الوطن، وضاق منهم العطن، والمظالم الفظيعة ربما تفضي إلى مخالفة الشريعة».

أما الحامية التركية في الجزائر، فيقول عنها ابن أبي الضياف: «جند الترك لما انحجر الباشا في القصبة وحصنها، سقط ما بأيديهم من تداول ملكها لمن غلب، فكان همهم بزوال الباشا أشد منه بالمدافعة عن الدار. وبذلك سهل على الفرنسيس التقدم من منعة إلى أخرى، وكل منعة ينزلها يحكم حصنها. وناوشه بعض المسلمين بالقتال، ملقين بأنفسهم إلى أن نزل بربوة مطلة على البلد وجعل بها المدافع، فأيقن أهل البلاد بالأخذ، فبعث لهم أمير الجيش الفرنساوي، وهو الجنرال مرمون بالإنذار والإعذار، ومحصله: (إن ألقيتم القياد وسلمتم البلاد، فلكم الأمان على أنفسكم وأموالكم، إذ لا حاجة لنا في سفك الدماء، وفيها الصبيان والنساء، ولا في هدم الأبنية. وإن كانت الأخرى، فقد ألقيتم بأنفسكم وعرضتم بلادكم للهدم، فإني لا أنفك عن ضربها أو تصير دكاً)».

أمام ذلك، هرع أهالي الجزائر «إلى الباشا فوجدوه أسرعهم إلى الإجابة، فكتب لهم أمير الجيش بالأمان، ودخل البلاد، ووفى لهم وللباشا بأمانه، كما هو الواجب عقلاً وشرعاً في كل ملة، وذلك في يوم الإثنين 13 محرم فاتح شهور سنة 1246 هـ (5 يوليو 1830). وركب الباشا بأهله وماله في مركب فرنسيس إلى فرنسا، ثم إلى الإسكندرية ومات بها، وكان أمر الله قدراً مقدوراً».

بعد هذه التفاصيل، يترك ابن أبي الضياف لقلمه حرية تقييم حسين باشا داي الجزائر، ملقياً عليه اللوم كله في وقوع الاحتلال الفرنسي. يقول المؤرخ التونسي عن الداي: «هذه ثمرة إضاعة الحزم وتنافر القلوب بين الراعي والرعية.. فانظر أيها المعتبر إلى حال هذا الباشا، وقد أتى الجزائر جندياً من عامة الجند، كان أبوه ببلد جناق قلعة يحترف بغسل الأموات، وترقى بعصبيته إلى منصب الباشا، ولم يكن له في البلد منزل ورثه من أبيه، ولا مقبرة لسلفه وذويه، ولا ما يقتضي حب الوطن وبنيه، ولا سياسة يعرف بها نفسه والحال وما يقتضيه. كما لم يفكر أولاً في عاقبته، ولما ناداه المدفع أسرع إلى إجابته، وكان الأمان على ماله، أول آماله. لأنه دخل البلاد صفر اليدين، وخرج منها فائزاً بغنيمة النقدين. ولو كان من أبناء ترابها ما سهل عليه ذلك، ولا استهان بطرق المهالك. ولذلك كانت بيوت الملوك في البلدان لها التأثير النافع في مصلحة الحوزة والاحتفاظ عليها غالباً. والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع