حكايات التغريبة الكبرى (1) مظالم العثمانيين تجبر أهل لبنان على الهجرة

عائلة لبنانية في المهجر بأمريكا

عائلة لبنانية في المهجر بأمريكا

كتب: خالد أبو هريرة

منذ القرن التاسع عشر الميلادي، تحولت بلاد الشام، خصوصًا جبل لبنان، إلى أراض طاردة للسكان، يندفع أهلها على اختلاف عناصرهم العرقية إلى الهجرة والجلاء، إما إلى بلدان قدمت نفسها كأرض للفرص الواعدة، مثل الأمريكتين والقارة الأسترالية. أو حتى إلى بلاد شرقية قريبة كان على رأسها مصر.

لعبت الدولة العثمانية دوراً حاسماً في وقوع مثل تلك الهجرات، حيث ساهم اشتراك الأتراك الأكيد في إذكاء روح الفتن الطائفية بين العناصر الدينية (الإسلامية والمسيحية) في الشام منذ مذابح العام 1860 الشهيرة، إضافة إلى ملاحقات السلطان عبد الحميد الثاني للمثقفين الشوام من المعارضين لحكمه الأوتوقراطي في نهاية القرن التاسع عشر، في دفع اللبنانيين - ثم السوريين من بعدهم - إلى الهرب من الوطن والبحث عن أي بلد لا ترتفع فوقه الرايات العثمانية الحمراء.

في كتابه المهم «الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده»، والذي ألفه احتفالاً بانقلاب تركيا الفتاة (1908) الذي أطيح على إثره بالسلطان عبد الحميد، أفرد الأديب اللبناني الشهير سليمان البستاني فصلًا كاملًا عن الهجرات الشامية ودور العثمانيين فيها، أكتفي منها في التقرير التالي بما يتعلق بالمهاجرين اللبنانيين على وجه الخصوص، وهم الذين تركت الهجرة في خيالهم الجمعي أثرًا لم ينمحي حتى اليوم، كما وضعت بصمتها على ثقافتهم وأنماطهم في التفكير.

في البداية، لم يجد سليمان البستاني تمهيداً لقضية الهجرة الشامية الموجعة - بما أنها كانت جلاءً اضطراريًا - إلا عرض التناقض بين الجودة المفترضة لأقاليم الدولة العثمانية - وتحديدًا العربية - وبين بؤس الواقع المعاش فيها، فتراه يقول: «ليس في بقاع الأرض بقعةٌ أخصب تربةً وأصفى جوّا وأَجْوَدَ ماءً وأنقى هواءً من معظم أجزاء السلطنة العثمانية، ولهذا كانت منذ القدم مطمع الرواد ومحط الرُّحال، فما بالها انقلبت حالها وقَلت رجالها وعافها الغريب وفَرَّ أبناؤها مغتربين إلى أقصى الديار».

يتابع: «لا شك أن الحروب واختلال الأمن وتخاذُل أبناء البلاد وظلم الحُكّام وجشع جُباة الأموال وانتشار الأوبئة، كلُّ ذلك مما هو متقدِّمٌ عهدًا على زمن الاستبداد الأخير (يعني عصر السلطان عبد الحميد الثاني)، وكله من أسباب الانحطاط وتناقُص السكان، غير أن الجهل من جهة، ووعورة المسالك وتعذّر سُبُل الانتقال من جهة أُخرى كانا يَحُولان دون المهاجرة، فيَكِلُ الناس أمرهم إلى الله، والوطن عزيز فيؤْثرون الإقامة فيه مع تَحَمل الحيف على تَجَشم مشاق الاغتراب، وهم لا يجدون إليه سبيلًا.. إذا ابتلاهم الله بحاكم ظالم يومًا شكوا أمرهم إلى الله، وأَمِلُوا أن يخلفه ذو رأفة فينصفهم. وهكذا لبثوا راضين مقيمين مختارين أو مضطرين، ولكن استبداد الحكومة الغابرة (حكومة عبد الحميد) خلق من أنواع المظالم ما لم يكن في الحسبان».

ما أنواع تلك المظالم التي وقعت في الزمن الحميد ولم تكن في الحسبان؟. يجيبنا سليمان البستاني فيقول: «كان ظلم الحكام في سابق العهد لطمعٍ بمال أو لكسر شوكةٍ، وأما في العهد الأخير فزاد على ذينك السببين انتفاء كل سبب. كان خائفُ الظلم في الزمن السابق إذا كان ذا مال تدبر بحيلة لإخفائه أو استرضاء الظالم بجزء منه، وإذا كان ذا نفوذ واقتدار عمد إلى التذلل أو المجاهرة بالعدوان وهو بأرضه. وأما في عهد الحكومة الغابرة، فالغني والفقير والأمير والأجير والآمر والمأمور، كانوا على شفير الهلاك في كل لحظةٍ لا ينفعهم حذرٌ ولا تُغنيهم حيطةٌ، وهم لا يدرون متى تُقرع الأبواب فتهجم اللصوص».

يردف: «وإذا علمنا — مع هذا — أن جميع الأفكار تنبهت، والعلمُ قد بسط جناحيه، ووسائل الأسفار قد تعددت أدركْنا لأول وهلة سببَ الاندفاع الهائل لمهاجرة الأوطان إلى حيث لا واشٍ ولا رقيب، والصبر على مضض العيش تَمَلُّصًا من مخالب الموت أو مناسر الذل والهوان».

بعد ذلك، يقسم البستاني المهاجرين في العالم العثماني إلى قسمين، «فئةٌ فَرَّتْ من البطش والاغتيال، وفئةٌ جلت في طلب الرزق». ولكنه في الوقت نفسه يرجع «هجرة كلا الفريقين إلى الاستبداد، والمسلمون والمسيحيون في ذلك سواءٌ، بل ربما كانت الوطأةُ أشد على المسلمين منها على المسيحيين».

لقد أشعلت العناصر العثمانية المسيحية غير العربية، مثل اليونان والأرمن، شرارة أولى الهجرات خارج العالم العثماني، ولم تخل أسباب هجرتهم، خصوصًا بالنسبة لليونان، من عوامل سياسية ترجع إلى الثورة اليونانية في عشرينيات القرن التاسع عشر، والتي انتهت باستقلال اليونان رسمياً عن إرادة إسطنبول في العام 1829. وكان على العناصر العثمانية العربية، مسيحية أو مسلمة، الانتظار لنحو عقدين بعد التاريخ الأخير، ليشهدوا تسلل ظاهرة الهجرة إليهم، ولدوافع سياسية واقتصادية عديدة لم تقل قوة وضغطاً عن نظيرتها عند العثمانيين من غير العرب، بل ربما حتى زادت.
فكيف كان ذلك؟

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع