«طافوا به في الشوارع للتشهير»: طريقة المصريين لوداع الباشا العثماني المخلوع

العثمانيون

العثمانيون

كتب: خالد أبو هريرة

كان عزل الدولة العثمانية لولاتها على مصر أمرا متكررا بكثافة طوال القرون الثلاثة التي فرض خلالها الأتراك حكمهم على المحروسة (1516 - 1798)، إذ لم يتجاوز أطول أولئك الولاة عهدا الثلاث سنوات فحسب، بينما تراوحت فترات حكم الكثيرين منهم بين الستة أشهر والسنة الواحدة. ولم يكن ذلك إلا خوفا من سلاطين العثمانيين من أن يستأثر أحد الباشوات الولاة بحكم مصر - وهي أغنى الولايات العثمانية وأهمها على الإطلاق - دونهم.

في رحلته المسماة (سياحتنامة)، خلف الرحالة العثماني الأشهر أوليا جلبي، وهو أحد الرحالة المسلمين الأكابر، صورة عن طريقة عزل الولاة العثمانيين على مصر في القرن الذي عاش فيه جلبي نفسه، وهو القرن السابع عشر الميلادي. وكانت السلطة العثمانية فيه قد ضعفت في مصر، مقابل صعود البيوتات المملوكية. كما أصبحت محاسبة الباشا المعزول على يد الفرق العسكرية العثمانية، لرد ما سلبه من خيرات المحروسة، إضافة إلى الاقتصاص منه على خلفية الشكاوى والمظالم التي يقدمها المصريون ضده، قد تحولت إلى عملية معقدة تكتنفها المخاطر، خاصة إذا أنكر الوالي المعزول استيلائه على الأموال، ورفض ردها إلى الخزانة المصرية.

ويبدو أن تكرار الاضطرابات المصاحبة لعزل الباشوات عن القاهرة، قد دفعت النخب العثمانية في مصر إلى وضع توصيات عامة للولاة الجدد كي يتبعوها تجاه أسلافهم المعزولين. وينقل أوليا جلبي على وجه الخصوص وصية وزير يدعى إبراهيم باشا كان يقول: «الباشا الحكيم ينبغي عليه أن يقيم وليمة لجميع أعيان البلاد، وبعد الفراغ من الطعام يشاورهم في الأمر ويسأل عما إذا كان في ذمة الباشا الأسبق من مال ويعرف ذلك. وإذا ما ثبت له ذلك استدعى إلى الديوان كل من كتخدا (نائب) الباشا وأفندي الديوان ومسؤول بيت المال ووكيل مصروفات الباشا وكل أولي الأمر وسألهم عما تبقى في ذمة الباشا السابق بقدر السنوات التي قضاها في الحكم من أموال القرى المحلولة والخزانة طبق سجلات الروزنامة ويسأل كل ما يطير في السماء ويدب على الأرض ويسبح في البحر».

يتابع: «ولكي لا يجور الباشا يمضي إلى الباشا المخلوع وفي معيته مسنو الجاويشية وقد ساء أدبهم واستبدوا برأيهم وثارت ثائرتهم، ومسنو جميع الفرق العسكرية وكتخدا الجاويشية وكل وكلاء الفرق العسكرية ويدخلون على الباشا المخلوع دون مراعاة ما كان له من حقوق عليهم سابقا ويسلمونه دفتر الروزنامة قائلين: تبقى عندك قدر مائة كيس من مال السلطان. فإذا ما قال الباشا المخلوع: ألتقي بأخي الباشا غدا وإذا ما كنت مدينا أديت ما علي من دين، أمهلوه».

أما إذا قرر الباشا المعزول إنكار نهبه المال «فينبغي عليهم أن يحبسونه في قصره أسفل المدينة أو قصر يوسف يحاصره جورباجي من كل فرقة في عدد من رجاله وينبغي ألا يتعرض له أحد بأي أذى لأنه حدث ذات مرة أن جزءا من قصر قوجه مصطفى باشا انهدم نتيجة هجمات الجند فالتمس مصطفى باشا عطف السلطان فقرر إبقاءه في مصر ثانية، ودخل القاهرة في أربعين يوما فأعمل السيف في عدة آلاف من جند مصر حتى إنهم لقبوه بـ قاتل الجند، ولهذا السبب يحبسون الباشا ويحرصون على سلامته».

كان الوالي الجديد يختار طريقا من اثنين للتعامل مع سلفه المعزول وفقا لـ أوليا جلبي. فإما يرق لحال الباشا السابق ويعلن أن المال المطلوب منه في ذمته. وحينها يقيد ذلك «في السجل المحمدي في حضور قاضي العسكر وشيوخ الإسلام على المذاهب الأربعة وكبار الأعيان والأشراف، ويحصل الباشا ما تبقى وعندما يخلع الباشا يحاسبونه على ذلك». وإما أن يرفض تحمل «ما علي الباشا المخلوع أي إذا قال إنه لا يستطيع أن يسدد دينه». وفي هذه الحالة وفقا لـ أوليا جلبي: «يعرض الباشا أمره على الآستانة قائلا: إن في ذمة فلان باشا الوزير الأسبق عليه دين (بقايا) للخزانة السلطانية وهذا ما يسبب عجزا في الخزانة. والأمر لمولاي السلطان.. وعلى هذا النحو يبعث بتقريره إلى الأستانة. وفي خلال أربعين يوما أو أكثر يصل الأمر السلطاني مع أحد رؤساء البوابين أو أحد القواد وفيه: (أنت وزير مصر وعليك تحصيل ما في ذمة الباشا المخلوع من مال السلطان)».

عند وصول الفرمان من إسطنبول بما سبق، تبدأ إجراءات حبس الباشا السابق ومصادرة كل أملاكه وماله. يقول جلبي: «إذا ما صدر الفرمان السلطاني بذلك، حبس الباشا المخلوع وكبار أغواته في برج يوسف وباعوا كل أمواله وممتلكاته في المزاد، فيخلو وفاض الباشا وأتباعه ويدوم حبسهم ثمانية أو تسعة أشهر وقد يمتد سجنهم إلى عام ويصبح الباشا في حاجة إلى الدوانق، ويطلق سراحه بعد سداد ديونه وينقل إلى قصر أو يبقى في ذلك القصر تحرسه فرقة من الجند».

ويلاحظ أن هذه المصادرة كان يتلوها تقدم المصريين ممن آذاهم الباشا المعزول لتقديم الشكايات ورفع المظالم ضده. يقول جلبي: «يأتي بعد ذلك المدعون وأصحاب المظالم والشكاوى من كل صوب يطلبون ما أخذه الباشا المخلوع من رشوة دون مراعاة لمصالح المسلمين وانحرافا عن جادة الشرع الشريف». ومرة أخرى، «إما أن يعينه وزير مصر ويصونه قاضي العسكر ويدفعان لكل واحد من المدعين جزءا من الشيء لإصلاح ذات بينهم. أو أن يسكت الباشا والقاضي عسكر والفرق السبع المدعين، فتسوء حالة الباشا المخلوع وأغواته إلى أبعد حد فيطوفون بهم من مكان إلى مكان للتشهير بهم».

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع