جيش العثمانيين في الجزائر: حفنة من المشردين في الأزقة

جندي عثماني في الجزائر

جندي عثماني في الجزائر

كتب: خالد أبو هريرة

أثناء حكم العثمانيين الجزائر، رفضت الحكومات التركية المتعاقبة تجنيد السكان الأصليين للبلاد من الناطقين بالعربية، خوفا من أن يقود ذلك الأخيرين في النهاية - وبعد التمرس بشؤون السياسة - إلى الثورة وطرد العثمانيين من البلاد. ونتيجة تلك المخاوف المتصاعدة، فقد ظلت الجندية في الجزائر حتى لحظة الغزو الفرنسي في العام 1831 قاصرة على العناصر التركية - أو الأجنبية عموما - التي كانت تهبط أرضها بأمر الأتراك. أما عرب الجزائر، والذين وصفهم العثمانيون بـ «البدو»، فقد ظلوا معظم الأوقات في حالة ثورة ضد السلطات العثمانية، خصوصا بسبب الضرائب الثقيلة التي كانت تجبى منهم في أغلب الأوقات بطرق متوحشة.

عن الآثار التاريخية لرفض العثمانيين تجنيد العرب، وإصرارهم على حشد عناصر غريبة من الأناضول للدفاع عن الجزائر، يقول الدكتور حنفي هلايلي - وهو مؤرخ جزائري - في مقالته المعنونة (الثورات الشعبية في الجزائر أواخر العهد العثماني كرد على سياسة التهميش): «لا أحد ينكر الدور الذي لعبه الجيش الانكشاري وديوانه في الأحداث والتطورات السياسية التي عرفتها إيالة الجزائر طيلة العهد العثماني. لقد أبعد العثمانيون الرعية عن الإنخراط في هذا الجيش ووضعوا عراقيل في وجه فئات من السكان لهم حق المساهمة فيها، هو نفس شأن الكراغلة (هم الأبناء الذين نتجوا عن زواج الأتراك بالنساء الجزائريات).. وأمام الحاجة الماسة والمتزايدة إلى المتطوعين. كانت تنظم حملات مرخص لها عن طريق إرسال وكلاء يطلق عليهم اسم الدائيات إلى الأناضول للبحث عن الراغبين في التجنيد أو الهجرة إلى الجزائر».

يستعين هلايلي بالمصادر الأوروبية المعاصرة لوصف هذه العناصر المحشودة للقتال تحت رايات العثمانيين في إيالة الجزائر، فيقول: «تتفق المصادر الأوروبية بأنهم من المهمشين ومن غير المرغوب فيهم بشكل عام، وتجمع معظم المصادر على أنهم ينتمون إلى أدنى الفئات الاجتماعية. فهم بالنسبة لـ هايدو (1581) يعتبرون من فصيلة "ابن آوي"، وهم بالنسبة للوجي دي طاس "بؤساء أو منبوذين". أما فنتور دي بارادي فيرى بأنهم من "المتشردين في أزقة إزمير والقسطنطينية"».

يتابع: «والدراسة التي أجراها مارسلي كولومي بالاعتماد على السجلات الخاصة بتجنيد العناصر الجديدة الانكشارية، حيث خلص إلى صدق ما جاء في نفس المصادر بخصوص الوضع الاجتماعي لهؤلاء المجندين، فهم بالفعل من الطبقات الدنيا. وقد خلص بأن عمليات التجنيد تكلف خزينة الحكومة الجزائرية الكثير من الأموال، فلم يكن مفروضا فقط إطعام وكساء وتغطية كل المجندين الجدد، ولكن تقديم الهدايا».

لقد أدى هذا الضغط من قبل المجندين على الميزانية المخصصة لدفع الأجور إلى ظهور عجز متزايد في تلك الأخيرة «بلغ في أواسط القرن الثامن عشر حوالي خمسين ألف بياستر، فكثيرا ما رفعت أجور الجند بغتة ولدوافع سياسية قصد كسب التأييد، كما فعل الثائر أحمد شاوش الذي قام بتوزيع أموال خزينة بايليك الشرق على الجنود ليقفوا بجانبه ضد الباي أحمد بن طوبال».

وعن نتائج ذلك يقول حنفي هلايلي: «وأمام هذا الوضع لجأ الدايات إلى التعامل مع اليهود الذين أصبحوا يشرفون على الأمور المالية، ثم تحولوا إلى وسطاء سياسيين ثم مستشارين ووزراء، كما اضطر هؤلاء إلى زيادة الضرائب على سكان الأرياف والمدن، مما سينجر عنه عواقب وخيمة على مصير الإيالة الجزائرية».

مقابل هذا، فإن «تهميش سكان الجزائر من أية مشاركة فعلية سواء في الدفاع أو المحافظة على الأمن الداخلي واعتماد العنصر التركي - العثماني وحده في الخدمة العسكرية ساعد على المحافظة على الطابع العثماني للدولة الجزائرية، فمن هؤلاء المجندين كان يتم اختيار الحكام من مختلف الرتب والألقاب، ومن بينهم كان يختار الوزراء والموظفون. ومن مظاهر هيمنة الانكشارية على الحياة السياسية للجزائر خلال الفترة العثمانية، أنها أصبحت تتحكم في عزل وتعيين الباشاوات».

كما يستعين المؤرخ الجزائري بوصف أحد قادة الانكشارية في الجزائر ويدعى حمدان خوجة، للعناصر التي كانت تجند في فرقة المشاة الأبرز على الإطلاق في التاريخ العثماني. يقول حمدان: «صارت تلك الميليشيا المسلحة التي لا مبدأ لها، ترتكب المخالفات ضد البدو والقبائل، ثم قام هؤلاء البؤساء بإشعال الثورات وقلب قادة الدولة حسب هواهم».

كان من أثر تلك الصفات الرديئة والتي تخلو من الانضباط العسكري، إضافة إلى حرمان الجزائريين من الذب عن أوطانهم، أن انهارت العسكرية العثمانية في الجزائرية في النهاية أمام الفرنسيين الذين غزوا البلاد دون مقاومة تذكر تقريبا من الأتراك في مطلع ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ليفرض في أعقاب ذلك على عرب الجزائر القتال أمام الغازي المتفوق عدة وعتادًا، وهم الذين أبعدوا عن فلسفة الجيوش النظامية لثلاث قرون متتالية.

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع