عبدالله بوزكورت: ثروة عائلة أردوغان تتجاوز 120 مليار دولار.. وصويلو سيسقط

عبد الله بوزكورت

عبد الله بوزكورت

في حوار شامل  أجراه «تركيا الآن» مع الكاتب الصحفي التركي الشهير عبد الله بوزكورت، يكشف رئيس مركز ستوكهولم للحرية، الكثير من الأسرار والكواليس داخل دوائر الحكم في تركيا، كما يقيم الأوضاع الحالية في أنقرة، راصدًا العديد من الدلالات على قرب انهيار حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع اشتداد شوكة المعارضة وسخط الشعب التركي ضده.

وتوقع عبد الله بوزكورت، أن يتخلص أردوغان، من وزير الداخلية، المقرب منه، سليمان صويلو، لصالح صهره بيرات البيرق، التي تدور التكهنات عن إعداده لخلافة الرئيس التركي.

ويكشف الكاتب الصحفي عن أن ثروة أردوغان وعائلته وصلت إلى ما يزيد عن 120 مليار دولار يخفيها في الخارج،     

وعبد الله بوزكورت واحد من أهم الكتاب الصحافين الأتراك، وعمل في الصحافة لأكثر من 20 عامًا ، وهو رئيس مركز ستوكهولم للحرية (SCF)، وهو أيضًا مدير شبكة الشمال للبحوث والمراقبة، التي تحقق في الإرهاب والأمن والجريمة والتطرف، ومؤلف كتاب «مقاطعة تركيا: إخراج الديمقراطية».  كما أسس وكالة «موهابر» للأنباء، التي أغلقتها الحكومة التركية في يوليو 2016. وشغل بوزكورت أيضًا منصب رئيس مكتب صحيفة «توداي زمان» التي تتخذ من أنقرة مقراً لها، وعمل مراسلاً لها في واشنطن العاصمة، وإلى نص الحوار:

 

بداية، هل من الممكن أن يصبح سليمان صويلو بديلاً لأردوغان بعد التخلص من عصابة «بيليكان» (البجع)؟

إن عصابة «بيليكان» هي هيكل مظلم يموله صهر أردوغان (بيرات البيرق)، وتدير أنشطتها من خلال الاتصال مع جهاز الاستخبارات العامة التركية. يحتوي هذا الهيكل أيضاً على وكلاء له في الصحف وأجهزة التلفزيون. وتتلخص مهمتها في نشر أخبار كاذبة، وتشويه معارضي أردوغان، والمساهمة في خلق رأي عام تركي مناوئ للدول التي تنتقد أردوغان مثل الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، ومصر، والمملكة العربية السعودية، اعتماداً في ذلك على أخبار مغلوطة ومفبركة.

إن عصابة «بيليكان»  (البجع) ليست صامتة، لكن على ما يبدو أنها اتخذت خطوة للوراء في ظل الأزمات المالية والاقتصادية التي تواجهها تركيا، وكذلك وباء «كورونا» المتفشي حالياً؛ أما أعمالها فلا تزال متواصلة كما هي. لا أعتقد أن سليمان صويلو شخصية قوية للغاية داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم. فقط عزله من منصبه يحتاج إلى موافقة من أردوغان، لكن دعني أؤكد أن هذا الأمر ممكن في أي وقت؛ إذ يمكن ملء المكان بسهولة. لا أعتقد أنه سيكون بديلاً لبيرات البيرق، الذي يعده أردوغان بديلاً له. لم يتحدث صويلو أيضاً إلى وسائل الإعلام منذ اليوم الذي قدم فيه استقالته ثم تراجع عنها، فقد فرض حظراً سرياً عليه. وهذا يشير إلى أن أردوغان يخطط لإنهاء ملف صويلو وسيتخلص منه في النهاية.

لا يجب أن ننسى أن أردوغان يزداد لديه «البارانويا» كل يوم، ويعتقد أن هناك من يريد الإطاحة به في الداخل والخارج. وفي هذه الحالة؛ هو يدرك جيداً أن عليه أن يثق بأفراد عائلته أكثر من الآخرين.

 

ما هو تقييمك للأوضاع في السجون وتعذيب المعارضين والمعتقلين؟

إن كثافة السجون في تركيا مرتفعة للغاية، ويرجع السبب الرئيس وراء ذلك إلى قيام أردوغان بحبس واعتقال المعارضين السياسيين. فخلال عام 2017 وحده، جرى استجواب 8 ملايين شخص بتهم إرهاب ملفقة، كما اُعْتُقِل أكثر من نصف مليون شخص من جماعة فتح الله غولن بسبب وقوفهم ضد فساد أردوغان واستبداده، وكذلك معارضتهم لنهجه في تسليح ودعم التنظيمات الدينية المتطرفة.

وبغية تقليل الاكتظاظ في السجون؛ اتجه أردوغان إلى تطبيق عفو جزئي عن السجناء في عامي 2016 و2020؛ حيث جرى إطلاق سراح ما يقرب من 45000 شخص خلال المرة الأولى، و90000 في المرة الثانية. لكن الصحافيين والسياسيين والأبرياء الذين لديهم آراء سياسية معارضة دون أن يرتكبوا أي جريمة ظلوا أسرى السجون والمعتقلات.

يستمر تطبيق التعذيب وسوء المعاملة في السجون والمعتقلات بشكل منهجي ومتعمد، وبموافقة السلطة. وهذا مسجل ومدون في تقارير الأمم المتحدة. وبالمثل، هذا موجود أيضاً في تقرير «لجنة مناهضة التعذيب» التابع لـ«مجلس أوروبا» الذي تكون تركيا عضواً به، لكن ذلك التقرير الذي صدر في عام 2016 لم يُنْشَر حتى اليوم، على الرغم من جاهزيته بسبب معارضة تركيا له واستخدامها لحق «الفيتو» ضده. ونفس هذه النتائج متاحة كذلك في تقارير المنظمات الدولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.

حتى اليوم، هناك161 صحافيًا بالسجن، بالإضافة إلى الآلاف من الأكاديميين والمدرسين والقضاة والمدعين العامين والدبلوماسيين وضباط الشرطة والأطباء بسبب عدم دعمهم مشروع أردوغان للإسلام السياسي. علاوة على ذلك، أَجبر أكثر من 800 طفل دون سن 6 سنوات على البقاء في الظلام مع أمهاتهم حيث تقبع أكثر من عشرة آلاف سيدة في السجون التركية، وهذا بالطبع رقم مخيف. وهنا أنوه إلى أن أردوغان لا يرى أي مانع في وضع المعارضين له، حتى الأطفال، داخل السجون.

 

هل انخفضت شعبية أردوغان مؤخراً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي مدى انخفضت؟

انخفضت شعبية أردوغان بشكل طبيعي في ظل تدهور الأوضاع بسبب المشاكل المالية والاقتصادية، وكذلك أزمة كورونا وسوء التعامل معها. ولكن لا يمكننا قياس ذلك بشكل صحيح من خلال استطلاعات الرأي التي تجرى داخل تركيا، حيث يسود مناخ الخوف والإرهاب، ويخشى الناس من الزج بهم داخل السجون والمعتقلات، كما أن أردوغان ونظامه يسيطرون على وسائل الإعلام بشكل كامل، إلى جانب تلك المؤسسات التي تقوم بعمل استطلاعات الرأي. ومع ذلك، فإن خسارة أردوغان لمدن مهمة مثل إسطنبول وأنقرة في الانتخابات المحلية التي أجريت العام الماضي هو تطور خطير يُظْهر أن أردوغان وحزبه قد خسروا أصواتاً بشكل كبير. سيستمر هذا بصورة أكبر خلال الفترات القادمة. وسيصبح أردوغان أكثر عدوانية في ظل حالة الذعر التي يعيشها بداخله، وسيحاول التغطية على ذلك من خلال خلق المزيد من المشكلات مع جيرانه.

 

من أين تنبع علاقات أردوغان بـ«جماعة الإخوان»؟ وما نوع شبكة العلاقات الموجودة بينهم؟

هناك أربعة عوامل مهمة تلعب دوراً هنا: العامل الأول أيديولوجي. فأردوغان يأتي من نهج إسلامي سياسي يسمي «الرؤية الوطنية/ مللي جوروش» يمكن أن نسميها بـ«إخوان تركيا»؛ فهو يشترك مع الإخوان في نفس الأيديولوجية الفكرية، ولم يترك أبداً تلك الأيديولوجية ولن يفعل. في السنوات الأولى من توليه السلطة، ربما حتى عام 2011، لم يجد إمكانية لتطبيق مثل هذه الأيديولوجية وتلك الأفكار، لأن الجيش والقضاء ووسائل الإعلام والمجتمع المدني لم يقبلوا ذلك. ومع ذلك، فقد ازدادت قوته مع مرور الوقت، وتمكن من ملء مؤسسات الدولة هذه بأشخاص ذوي توجهات إسلامية راديكالية سياسية تستغل الدين. كما دخل في تعاون مفتوح مع «جماعة الإخوان»، وبدأ في تقديم الدعم لهم سواء في تركيا أو في باقي دول العالم.

بالإضافة إلى الزمالة الأيديولوجية والتوجه العقائدي المتشابه، يرى أردوغان في «جماعة الإخوان» الهيكل والبنية التي يمكن أن يتبناها كقائد أو حتى كخليفة لجميع المسلمين. وهو يعتقد أنه إذا دعمه الإخوان فسيتمكن حينئذ من تحقيق أحلامه. في واقع الأمر، فإن خطاب القيادي الإخواني، يوسف القرضاوي، في إسطنبول، أكد على ذلك وأعلن أردوغان زعيماً لمسلمي العالم.

ثالثاً، يحاول أردوغان الحصول على دعم وأصوات المنتمين للتيار الإسلامي خلال الانتخابات في تركيا مستغلاً في ذلك عدم معرفة الشعب التركي بماهية «جماعة الإخوان». لذا نجد القرضاوي يخرج علينا في كل انتخابات داعياً لدعم أردوغان، كما ينعت كل من لا يصوت له بـ«الكافر». وبدورهم؛ يستخدم أنصار أردوغان مثل هذه التصريحات في ساحة الانتخابات حتى يجعلوا الشعب المسلم ينظر إلى خصوم أردوغان السياسيين بشكل مريب. من الواضح حقاً أن دين الإسلام يتم التضحية به والتلاعب به في السياسة.

العامل الرابع؛ يستخدم أردوغان «جماعة الإخوان» منظمة استخباراتية، وعناصر يمكنه أن يستغلها في الدول الأجنبية. في الدول الغربية مثل أوروبا والولايات المتحدة، تقوم هذه العناصر بتنظيم تظاهرات نيابة عن أردوغان مقابل الدعم الذي يتلقونه. هذا يزعج بشكل طبيعي الدول الغربية. في دول مثل سوريا وفلسطين وليبيا، يستغل أردوغان «جماعة الإخوان» والهياكل التابعة لها في الكفاح المسلح نيابة عنه؛ وهذا يزيد من قوته في المساومات.

 

حكومة أردوغان؛ التي يعاني اقتصادها بشكل سيئ للغاية، هل هناك فرصة لأن تنجح في الحرب في كل من سوريا وليبيا؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك؛ فلماذا تصر أن تكون طرفاً في حرب خاسرة؟

إن التدخل العسكري التركي في ليبيا لا شك أنه يساعد أردوغان في مستقبله السياسي، ويضمن من خلاله بقاءه في الصورة لفترة أطول؛ إذ يمكنه بتلك الحرب خداع وتنويم الأمة من خلال نسج قصص حربية وبطولات وهمية كاذبة. وبتلك الطريقة؛ لن يستطيع الشعب التركي التركيز على المشاكل الرئيسة مثل البطالة، وزيادة الأسعار، وفقدان الحقوق الاجتماعية والدخل الاقتصادي. إن هذه التدخلات العسكرية عادة ما يستغلها أردوغان لتغيير جدول الأعمال، وإحياء المشاعر الدينية والوطنية على الأقل في الوقت الحالي. لا يمكن أن نقول أبداً إن هذا النوع من التدخلات يخدم صالح تركيا، لكنها تخدم المصالح السياسية الشخصية لأردوغان. لكن على المدى المتوسط والطويل؛ ليس لدى أردوغان أي فرصة للفوز في المغامرات العسكرية فيما وراء الحدود؛ إذ تواصل المنطقة والعالم بأسره في قلب التوازنات ضد تركيا. وللأسف، فإن أردوغان جعل من تركيا دولة وحيدة ومعزولة تماماً عن العالم.

 

تركيا؛ التي تعاني وضعاً اقتصادياً صعباً للغاية، لماذا تتجه إلى الاقتراض من أماكن فوائدها أكبر بدلاً من الاقتراض من صندوق النقد الدولي؟ وما سبب عناد أردوغان تجاه صندوق النقد؟

بينما توجد لدي تركيا فرصة للاقتراض من صندوق النقد الدولي بفائدة منخفضة، إلا أنه لا يسعى للاقتراض منه حيث اتفاقيات صندوق النقد تحكمها بعض القيود واللوائح. إن أردوغان يدير ملف الاقتصاد كما يحلو له برفقة عائلته وشركائه، ويعطي مناقصات ومزادات بمليارات الدولارات إلى أصدقائه والمقربين منه، كما يهدر العوائد الضريبية وينفقها كيفما يشاء. إنه يعلم أنه إذا أبرم صفقة مع صندوق النقد الدولي، فلن يتمكن من إدارة سلسلة الفساد التي أسسها بسهولة حيث سيتعين مراجعة الإنفاق الحكومي والإيرادات. لذلك، حتى إذا كان أكثر تكلفة، يريد أردوغان الاقتراض بأسعار فائدة عالية من الدوائر المالية الدولية. هذا، بطبيعة الحال، ليس في صالح تركيا أو الشعب التركي بأي حال من الأحوال. أردوغان لا يلتفت إلا إلى تضخم ثروته هو وعائلته فقط ولا يعنيه بعد ذلك ما يعانيه الشعب من فقر. وبحسب ما يتم تداوله؛ فإن ثروة أردوغان وعائلته تزيد عن 120 مليار دولار، بعضها موجود في بنوك جنيف، والبعض الآخر موجود في دول «الملاذات الضريبية»؛ تلك الدول الجزرية البعيدة عن الشاطئ.

 

إلى متى سيستمر بقاء حكومة أردوغان في السلطة من خلال دعم الدين الخارجي الذي اقترضته وستقترضه مستقبلاً؟ ولو لن تستمر؛ فما هي التطورات وماهية النتائج التي سوف تشهدها تركيا بعد أردوغان؟

إن الاقتصاد التركي قائم بالأساس على التجارة الخارجية والاستثمار والصادرات والسياحة؛ وهو بحاجة إلى الحفاظ على نشاط التجارة وجذب الاستثمارات كي يتمكن من الحفاظ على نسبة العجز الحالية القائمة بين الصادرات والواردات. المشاكل الاقتصادية في البلاد آخذة في الازدياد بالفعل، ومعدل البطالة والديون في ارتفاع مستمر. وبما أنه لم يبق قانون في البلاد وتستخدمه المحاكم كوسيلة لمعاقبة خصوم أردوغان، فإن المستثمر الأجنبي لم يعد يأتي كما كان من قبل. حتى المستثمرين الأتراك يأخذون أموالهم وأصولهم إلى خارج البلاد، لأنهم لا يثقون في السلطة الحالية؛ فقد استولى أردوغان بشكل غير قانوني على ما يصل إلى 1000 شركة في السنوات الأربع الأخيرة الماضية وصادر 11 مليار دولار من أصولها.

لا يمكن لأردوغان أن يواصل ذلك على المدى المتوسط والطويل، خصوصاً في ظل المشاكل السياسية الخطيرة التي تشهدها علاقاته مع الاتحاد الأوروبي الذي يعد الشريك التجاري الأهم بالنسبة له. وبالمثل، تركيا لديها أيضاً علاقات سيئة للغاية مع أهم دول المنطقة مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. هذا سيؤثر حتماً على التجارة، وسيكون دوماً على حساب تركيا. في نهاية المطاف، سيصل أردوغان وحكومته إلى طريق مسدود وسوف يُطْرَدُون بعيداً عن السلطة. بعد ذلك، يجب أن تكون هناك فترة نقاهة سياسية لاستعادة تركيا مرة أخرى. لكن هذا لن يكون سهلا؛ فأردوغان أضر كثيراً بالمجتمع التركي والسياسة الداخلية والاقتصاد والأمن القومي والسياسة الخارجية. كما عزز من قوة الجماعات الدينية الراديكالية المتطرفة. واليوم، يتم إطلاق سراح عناصر تنظيم القاعدة وداعش على الفور دون عقاب.

 

لماذا يرسل أردوغان المستلزمات الصحية للدول الغنية مثل أميركا وإنجلترا وإسرائيل على الرغم من حاجة شعبه إليها؟ وما هدفه من وراء ذلك؟

السبب وراء ذلك استعراضي بحت. ويوجد سببان وراء ذلك:

  • يريد أردوغان أن يقول للرأي العام الداخلي في تركيا: «انظروا. القوى العظمى والدول الغربية عاجزة. نحن نفعل ما لا يمكنهم فعله ونرسل المساعدات». وتلك محاولة منه لإظهار أن حكومته قوية، وكذلك لإثارة معاداة الغرب.
  • يرغب أردوغان أيضاً في استغلال هذه المساعدة كدليل على حسن النية في علاقاته المتدهورة مع الغرب؛ إذ يأمل في أن يكون ذلك ورقة يمكنه استخدامها فيما بعد.

 

كيف ترى فرص أولئك الذين انشقوا عن حزب أردوغان وأسسوا أحزابًا جديدة معارضة له؟

حتى ذلك الوقت؛ جرى تأسيس حزبين معارضين من قبل أولئك الذين تركوا حزب أردوغان «العدالة والتنمية». وإلى يومنا هذا، لا أعتقد أنهم سيظهرون وجوداً وتأثيراً كبيراً. لكن في الانتخابات، من المؤكد أنهم سيتسببون في فقدان حزب أردوغان للأصوات. وبطبيعة الحال؛ كل خسارة في الأصوات ليست علامة جيدة لأردوغان، حيث سيتعين عليه في انتخابات الرئاسة الحصول على أكثر من 50٪ من الأصوات. ويكمن أمل خصوم ومعارضي النظام في أن تفوز أحزب المعارضة بالأصوات عندما يدفع أردوغان فاتورة أخطائه بعدما تتدهور أحوال الاقتصاد. فكما حدث في انتخابات 2002 في ظل أزمة اقتصادية كبيرة؛ يعتقدون أنه كيفما عاقب الشعب التركي أحزاب النظام في ذلك الوقت ولم يعطهم أصواته، فسيحدث نفس الشيء لأردوغان في المستقبل وسيصلون إلى السلطة. لكن ذلك لن يكون سهلاً كما يعتقدون. فخلال الانتخابات الأولى التي وصل فيها أردوغان إلى السلطة عام 2002؛ على الرغم من وجود العديد من أوجه القصور في تركيا؛ إلا أنه بالمقارنة مع اليوم؛ كانت هناك وسائل إعلام وقضاء أكثر استقلالية، ومنظمات مجتمع مدني أكثر ديناميكية. كان يمكن لرجال الأعمال دعم أحزاب المعارضة دون خوف؛ أما الآن لا وجود لهم. ببساطة؛ ظروف المعارضة أكثر صعوبة من ذي قبل.

 

هل الفصائل والاستقطابات الموجودة داخل حزب أردوغان ستصل إلى حد الإضرار به؟

لا أعتقد هذا. فأردوغان، قبل أي انتخابات، يُطَهّر الحزب بمرور الوقت من العناصر التي يعتقد أنها يمكن أن تكون معارضة له. في الوقت الحالي؛ تتكون الأغلبية داخل الحزب من رجاله المخلصين. ومع ذلك؛ يبدو أن الحزب قد يخسر. فإذا تفاقمت الأزمة الاقتصادية، ذلك قد يؤدي إلى زيادة التصدعات داخل الحزب والانشقاقات والتمرد. لا أحد يريد أن يكون على متن السفينة الغارقة.

 

ما تقييمك لنظرة أردوغان للشعب الكردي وسياسته تجاهه؟ وهل سيكون هناك سلام بينهم؟

هنالك مشكلة كردية في تركيا، وتلك المشكلة لم تُحَل منذ عهد الإمبراطورية العثمانية. لا يريد أردوغان حل تلك المشكلة؛ بل على العكس يستخدمها لإثارة المشاعر القومية، وإبعاد انتباه الشعب عن المشاكل الأصلية تحت غطاء مكافحة الإرهاب. في الماضي القريب؛ أعلن أردوغان مرتين عن برامج بدعوى حل المشكلة الكردية خلال عامي 2009 و2011؛ لكن جرى إلغاؤهما. كان هدفه من وراء ذلك هو الحصول على غالبية أصوات لصالح حزبه. ولكن عندما رأى أن ذلك لن يحدث، سرعان ما تراجع عن ذلك ووضع كل المحاولات والمبادرات لحل تلك المشكلة جانباً. علاوة على ذلك؛ لا يريد شركاء أردوغان في الحكم (حزب الحركة القومية) المتطرف، و«حزب الوطن» المؤيد لإيران، حل المشكلة الكردية، بل يريدون زيادة الضغط والعنف والإجراءات العسكرية بشكل أكبر.

 

كيف ترى تحركات أردوغان في الجرف القاري بالمتوسط، أي في «المنطقة المنحصرة»؟ وهل تتوافق الاتفاقيات التي أبرمها مع بعض الدول مع القانون الدولي؟

هذه قضية تحتاج إلى حل على أساس سياسي من خلال إبرام اتفاقات مع ضمان حماية المصالح المشتركة للبلدان التي تطل على نفس الشريط الساحلي. إن التحركات من جانب واحد تزيد من التوتر في المنطقة وتعمق أزمة الثقة القائمة بالفعل. تركيا تحولت مع أردوغان من دولة ليس لها أية مشاكل مع الجيران إلى دولة لديها مشاكل وأزمات مع الجميع. الفشل الدبلوماسي يجعل أردوغان أكثر عدوانية ويعتقد أنه قادر على حل مشاكله من خلال الإجراءات العسكرية. ولكن اتضح أن الأمر لم يكن بهذه السهولة. فقد فشل التدخل العسكري التركي في سوريا مرتين، على الرغم من دعم الجماعات والميليشيات الجهادية المعارضة لأردوغان منذ عام 2011 وحتى الآن. يحتاج أردوغان إلى معرفة حدوده والتوصل إلى اتفاق يتواءم مع مبادئ المنطقة حتى لا يزعج الدول الأخرى المجاورة له. إذ لم يعد أردوغان الآن من يصنع اللعب ويتحكم في دفة الأمور، ولكن لديه القدرة على إفساد ألعاب وتحركات الأخرين. وهو يحاول الآن لعب هذا الدور.

بالنسبة إليَّ؛ فإن تركيا أصبحت الآن بمثابة «إيران الثانية» في ظل وجود إدارة أردوغان. حيث يوجد على رأسها رجل يدعم الجماعات الإرهابية ضد الدول المجاورة ويتدخل في شؤونهم الداخلية؛ بل ويهددهم كذلك من خلال اتباع أسلوب «الحرب بالوكالة»، ويقود أيضاً حكومة ليس لديها أي عقلانية في التعامل مع الأمور. في حقيقة الأمر؛ إن العديد من المسؤولين، الذين لديهم بالفعل موقع مؤثر للغاية في حكومة أردوغان، معجبون للغاية بإيران وبثورتها في عام 1979. كما أن هاكان فيدان، رئيس الاستخبارات التركية، مؤيد ومولع بإيران، وكان يحضر دروس الشيعة في شبابه، ولديه كذلك علاقات وثيقة مع المخابرات الإيرانية. هناك أيضاً كبير مستشاري أردوغان، صفر طوران، الذي كان مسؤولاً عن ملف العلاقات التركية مع الدول العربية والإسلامية، كان مشتبهًا به في الاشتراك في أنشطة «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري الإيراني» في تركيا. وكانت المحاكم التركية قد أصدرت قراراً بالاستماع إلى هواتفه، إلا أن أردوغان طلب إغلاق التحقيق في ذلك الملف عام 2014. إلى جانب ذلك؛ طُرِد أكثر من 600 سفير ودبلوماسي من الخارجية التركية، وسُجن بعضهم، وجرى تعيين سياسيين موالين لإيران بدلاً منهم.

 

هل هناك اتفاقات سرية بين أردوغان وزعماء المافيا الذين أطلق سراحهم بموجب قانون العفو؟ وإذا كانت هناك اتفاقيات لا نعرفها؛ فماذا يهدف أردوغان من وراء ذلك؟ وما سبب إصرار دولت بهتشالي على إصدار قانون العفو؟

جرى إطلاق سراح ما يقرب من 90 ألف شخص بموجب «قانون العفو»، وعلى رأسهم قادة شبكات الجريمة المنظمة، وزعماء المافيا. وقد جاء هذا في صالح الجماعات الإسلامية السياسية المؤيدة لأردوغان، التي تورطت فيما سبق في قضايا الفساد والرشوة، وكذلك صالح مجموعات المافيا، التي كان قادتها مؤيدين لحزب «الحركة القومية» حليف أردوغان. إلى جانب ذلك؛ إن الملفات الخاصة بـ«الجريمة المنظمة» لسياسيي حزب أردوغان «العدالة والتنمية»، بخاصة في الإدارات المحلية والبلديات، ممتلئة عن آخرها بسبب قضايا الفساد والرشوة؛ وبهذا القانون يكون أردوغان قد تمكن من تطهير تلك الملفات. يخطط أردوغان أيضاً لزيادة مناخ الخوف في البلاد ونشره من خلال مجموعات المافيا التي سيستخدمها فيما بعد كهيكل شبه عسكري داعم له. في الماضي؛ ارتكبت بعض مجموعات المافيا اغتيالات في أوروبا تحت إشراف جهاز المخابرات التركية؛ لذلك قد نشهد حالات مماثلة مرة أخرى في المستقبل القريب.

 

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع