عماد الدين حسين يكتب لـ«تركيا الآن»: لماذا تتردد أوروبا في معاقبة أردوغان؟!

عماد الدين حسين

عماد الدين حسين

قبل أيام قليلة، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بدء التنقيب عن الغاز في مناطق بحرية تقع في المنطقة الاقتصادية اليونانية.

وفعل الأمر نفسه عدة مرات في المناطق الاقتصادية القبرصية. وقبل شهور طويلة، بدأت شركة إيني الإيطالية التنقيب عن الغاز لمصلحة الحكومة القبرصية، لكن البحرية التركية قامت بمهاجمتها وإبعادها عن المكان.

وكل يوم تقريبًا يعلن أردوغان أنه سوف يستمر في التنقيب عن النفط والغاز في مناطق يزعم أنها تابعة لتركيا.

ويوم الجمعة الماضي، وعقب توقيع مصر واليونان اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية بينهما، خرج أردوغان ليعلن رفضه لهذا الاتفاق بلغة سافرة متحدية.

قبل أسابيع أيضًا كانت البحرية الفرنسية تقوم بأداء مهامها في إطار قوة إيريني التابعة للأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي لتنفيذ حظر الأسلحة المفروض على ليبيا. هذه القوة الفرنسية أوقفت سفينة تركية كانت تحمل الأسلحة في طريقها إلى ليبيا. حاولت القوة الفرنسية التأكد من الأمر، ولكن السفن الحربية التركية سلطت الليزر باتجاه السفن الفرنسية، وهو ما يعد عملًا عدوانيًا يسبق إطلاق النار مباشرة.

ما سبق عينة بسيطة مما يفعله أردوغان تجاه بلدان أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فكيف تصرف الطرفان أوروبا والحلف؟!

لم يحدث شيء جدي، وهو أمر يثير استغراب الكثير من المراقبين الأوروبيين، ويثير غضب كل القبارصة واليونانيين والفرنسيين.

كل ما فعله الاتحاد الأوروبي أنه أصدر بيانات تدين ما تقوم به تركيا من أنشطة للحفر في المياه الاقتصادية لليونان وقبرص، ومنع بعض مديري شركة طاقة التركية من دخول بلدان الاتحاد. ورغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اعتبر حلف الناتو دخل في «حالة موت سريري» لعجزه عن معاقبة تركيا، ورغم الاستياء الفرنسي القبرصي اليوناني، إلا أن الاتحاد الأوروبي لم يجرؤ على اتخاذ خطوة فعالة صد أردوغان، وأعلن أمس الأربعاء أنه سوف يبحث الأمر خلال اجتماع على مستوي وزراء الخارجية غدًا الجمعة.

الغريب أكثر أن جوزيب بوريل أكبر دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي، قال إن التوسع في فرض عقوبات انتقامية ضد تركيا، قد يؤدى إلى نتائج عكسية، وسيزيد من حدة التوتر في شرق المتوسط، والحل يكمن من وجهة نظره في مزيد من الحوار والمفاوضات مع أردوغان، خصوصًا أن تركيا شريك مهم ومرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي، كما يقول بوريل!

المشكلة في كلام بوريل أنه يتجاهل أن أردوغان تجاوز تمامًا فكرة الحوار، وقبل أيام كادت تنشب حرب فعلية بين تركيا واليونان، لولا تدخل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي قالت بوضوح إنها منعت حربًا بين البلدين.

المتحدث باسم الحكومة القبرصية كيرياكوس كوشوس، قال قبل أيام، نحن بحاجة إلى عقوبات أكثر صرامة، ونحتاج إلى إجراءات أكثر وضوحًا لمنع تركيا من مهاجمة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

منطق بوريل قد يكون صحيحًا مع شخص يؤمن بالمنطق والحوار وحسن الجوار. لكن من الواضح أن أردوغان لا يفهم إلا منطق القوة فقط، ويسوقون مثالًا على ذلك بما فعله معه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل حوالي عام، حينما زعزع اقتصاد تركيا بأكمله بتغريدة واحدة. يومها أصر أردوغان على استمرار حبس القس أندرو برانسون، بحجة علاقته بفتح الله جولن وحركة الخدمة، وهدده ترامب بأنه سيدمر اقتصاده إذا لم يفرج عن القس الإنجيلي. وبالفعل رضخ ترامب للتهديد.

في يد أوروبا الكثير من الأدوات، واقتصاد أردوغان يرتبط أساسًا بالاقتصاد الأوروبي إلى حد كبير، ولو توافر لدى الاتحاد الأوروبي الحد الأدنى من الإرادة السياسية، فإنه قادر على لجم طموحات أردوغان، خصوصًا فيما يتعلق بتهديد بلدان أعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل قبرص واليونان.

وبالتالي حينما تتقاعس الدول الرئيسية في الاتحاد عن فعل ذلك، فالسؤال هو: لماذا هذا التقاعس ولمصلحة من، وما هي المخاطر التي يمكن أن تؤدي إليها سياسة المهادنة التي تتبعها أمريكا وبلدان أوروبية مهمة مع أردوغان؟!

شاركنا بتعليقك

تقع المسؤولية الأدبية والقانونية للتعليقات والمساهمات المنشورة على الموقع، على صاحبها، ولا تعبر بأى شكل من الأشكال عن رأى إدارة الموقع